إسوارة العروس أغنية الحب والحرب

الأستاذ : وليد غالب بلان

إيه إيه ، لكان مين ؟؟
إيه أنا اللي عملتها .
وينك ؟؟ ليش مين غيري أنا بيقدر بيعمل هيك ؟؟ ها ها ها ها إيه إيه أنا وما حدا غيري .
بعدين وينك ، رح خبرك هالشغلة وأمري لله . رح قول : أسوارة العروس أحلى ما غنت وقالت الست فيروز .
عندك اعتراض ؟؟ خبرني لشوف .

هكذا ، بصوته الأجش ، وبخفة دمه منقطعة النظير ، وبثقة عالية وتواضع وتمكن من الرأي أجاب العبقري ( الظريف ) فيليمون وهبة على سؤال وجهه له المحاور وهو :
من لحّن إسوارة العروس أستاذ فيليمون ؟؟ الناس محتارة بينك وبين ابنها العبقري زياد .


هنا ، وبهذا اللحن بالذات ، قد ضعضع فيليمون وهبة كيان المعاهد والأكاديميات والعلوم الموسيقية .
قد ضعضع هذا لصالح الموهبة .
هذا الملحّن ، الذي لا يعرف النوتة الموسيقية ، ولا العزف على أي آلة ، ولا يتعامل بهما ، ولا بالمقامات
بل ويسخر من تلك الأمور حين يفاضلها مع الموهبة .

قد ضعضع كيان المعاهد ، لماذا ؟؟
لأن لحن إسوارة العروس هو معهد بحد ذاته ، هو مادة كاملة ، من المقامات والنوتة ، والعزف وطريقة الأداء ، وإيحاءات اللحن .
تركيبة عجيبة ، تعج بالنقلات بين المقامات المتباعدة نوعاً ما ، وفي أضيق الجمل الموسيقية ، وأقصرها .

فيليمون صاحب الرأي والنهج الذي يقول لكل من يريد أن يلحّن :
لا تعقدها ، حط ببالك إنو لازم الطفل الصغير يرقص ويحفظ اللحن من أول مرة يسمعه ، مثلو مثل الكبير . أترك المراجل و( الحجاز والشهيناز والدو والري ، وذات السن وذات القرن ، والفزلكات هذول ) لا تجيب معك مكتبتك وتفتّل عضلاتك منشان تلحّن ، تعال مثل ما أنت ، بأواعي النوم أو بلا أواعي ، ولحّن ….

وهذا ما قدمه في معظم أعماله ، لكن بإسوارة العروس قد حقق أشياء أخرى ، وهي :
قمة الحنكة الأكاديمية المبطنة بالبساطة والموهبة البكر .
باختصار : بالأغنية استخدم حوالي 7 مقامات ، وتنقل بينها بسلاسة وانسياب لا يمكن أن يشعر بها عصفور نائم .

بالمقدمة ، يبدأ بداية تنذر بهول ما ، ثم ينساب لحن المقدمة مفعماً بالحيرة .

أسوارة العروس مشغولة بالذهب … وأنت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب
رسائل الغياب مكتوبة بالسهر ……… وأنت بالعز مكتوب يا تراب الجنوب
وبتولع حروب ، وبتنطفي حروب … وبتظلك حبيبي يا تراب الجنوب .

يا سلام على المعاني ، يا سلام على اللحن ، يا سلام على الصوت الذي حملهما .
قبل مقطع ( اللي حامل عاكتافه ، زيتون وسنابل …. )
تسحب اللازمة الموسيقية من القلب الحائر أقوالاً لا تصوغها لغة ، ببساطة لحن على مقام بسيط ، بآلة موسيقية مفعمة ببساطة وقوة الطبيعية .
اللي حامل عاكتافو زيتون وسنابل ، قلعة بحر صور ، صخرة جبل عامل
اللي حامل أوراق ، شعرا وعشاق ، القمر مخبيلن لأعراسن خواتم
ما بيقدر يحمل ظالم
وشو ما إجا شعوب ، وشو ما راح شعوب
كلن رح بيفلّو ،
وبيبقى الجنوب .

بهذا المقطع كان آخر ما توصل له صوت فيروز من الإيحاء .

أما اللازمة الموسيقية التي تلي هذا المقطع وتسبق :
لما بغني إسمك ، بشوف صوتي غِلي ( صار غالي ) ، إيدي صارت غيمة وجبيني عِلي
الشمس بتطلع سودة ، وبييبس الموج ، إذا بفكر إنو ترابك مش إلي …….

هنا ، غناء لأغلى تراب
هنا ، غناء لتراب جريح
هنا ، قمة الاعتزاز وقمة الحزن
هنا ، وهنا ، وهنا .

كلها قيلت باللازمة الموسيقية التي سبقت هذا القول .
قطعة تُوغل القلب بأتون التشظّي ، بها فرح عارم ، وحماس صارخ ، ورقص ، وحزن وضحك وبكاء ، وجرح بقلب الشاعر ، وبلسم لقلوب أخرى .
على أسهل المقامات الشرقية وأبسطها على الإطلاق ، بأعذب الآلات قيلت .
ما هذا العبقري الذي صاغ هذه القطعة ؟؟
إنه ( فيليمون وهبة ) الذي لم يفكّر بكل ما فعل هنا ، بل انبثق منه هذا العمل بتلقائية ، وكأن تراب الجنوب هو القائل وهو الملحن وهو المؤدي ، بكل جدارة .
قد وصلت رسالتك ، قد وصل قولك يا تراب الجنوب ، قد شعرت بك قلوب الدنيا في ( شيفرة ) أسوارة العروس .
بهذا المقطع ، قد وصلت جذوة اللحن به إلى آخر حدود إحساس صوت فيروز ، قد أظهرت تقنية وكنه صوتها الرائع بسابقة لم تحدث قبل ولن تحدث بعد .
حين سمعت هذا المقطع ، تمنيت أن أكون تراب الجنوب . قد زرعت هذه الأغنية تراب الجنوب أيقونة بالقلب .

إسوارة العروس ، بعد أن صيغت كلماتها من قلب الشاعر ( جوزيف حرب ) ولُحّنها فيليمون وهبة منتصف الثمانينيات ، قد أصبحت ( أم ولاّدة ) لأعمال فيليمون بعدها ، بل ولأعمال كثيرة بعدها ، وقد غيرت طريقة تلحين الأغاني الوطنية .
أستطيع القول بأن : ورقو الأصفر شهر أيلول ، طلعلي البكي ، وبواب بواب شي غرب شي صحاب ، يا رايح ، ياقونة شعبية ، لما عالباب …
هذه كلها بنات إسوارة العروس ، كلها صيغت من نفس المَلـَكة اللحنية التي أطلقت إسوارة العروس .

قد تولّدت هذه المَلـَكة التلحينية عند فيليمون وهبة ، بعد وفاة العبقري عاصي الرحباني .
حيث كانت أعمال فيليمون قبل وفاة عاصي ، مقرونة بالرد على أعمال الرحابنة بزعامة عاصي ، مقرونة بجوهم ومناخهم الموسيقي ، لذا كانت عطاءات فيليمون دائما موجهة بهذا الاتجاه .
وبعد وفاة زعيم الميناء ( عاصي الرحباني ) تحرّرت مَلـَكة فيليمون من العطاء ( المقرون دون قصد ) . وظهر أن بها ينابيع رائعة وعظيمة ، لم يجربها فيليمون من قبل .

إسوارة العروس :
أغنية الصباح الرقيقة ، أغنية المساء الشجية ، أغنية الحب والوله ، أغنية الحماس والنضال ، والجرح العميق ، والفرح .
أغنية كانت الدليل لكل أكاديميي ومنظري التكنولوجية والفن …

المواضيع المرتبطة:

  1. نصري شمس الدين … المارق عالطواحين
  2. ملحم بركات … الصوت الصَّريح
  3. سلملي عليه …
  4. الأَخَوان رحباني ، أهل الشتاء وخبز الدراويش
  5. بليغ حمدي …. الطعم كله

11 من التعليقات لـ “إسوارة العروس أغنية الحب والحرب”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع