اتجاهات – الحلقة الثالثة – جريمة الشرف بين مطرقة القانون وسندان العادات الاجتماعية

اتجاهات
بتاريخ الجمعة 2 يناير 2009 4:28 م

قيل أنها جريمة شرف …
ومتى كانت الجريمة شرف ؟؟؟!!!
إنها جريمة في البداية ولكن … من ألبسها ثوب الشرف ؟!
وبأي حق وأية شريعة وأي منطق شُرِّع القتل أيا ً كانت أسبابه ؟
إن معدل تلك الجرائم يزيد سنويا ً بحيث تجاوز المائتي حالة قتل بدعوى غسل العار في السنوات الأخيرة ، كل ذلك أمام عين العدالة وعلى مرأى من القانون الذي سهل ومهد لتلك الجرائم من خلال نصه للمادة 528 من قانون العقوبات السوري للعام 1949 التي تنص على ان “يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجته أو أحد أصوله في فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود او في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر، فأقدم على قتلهما او ايذائهما او على قتل او ايذاء احدهما بغير عمد” وعلى ان «يستفيد مرتكب القتل او الاذى من العذر المخفف اذا فاجأ زوجته أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر “

أي أن من له أم وخمس أخوات وزوجة وخمس بنات وخمس عشرة ابنة أخ وخمس عشرة ابنة أخت وخمس عشرة ابنة عم وخمس عشرة ابنة خال يسهل له القانون قتل أية نفس منهن لمجرد :
- الظن بسوء سلوكهن الأخلاقي
- التوجس والريبة من علاقة قد لا تكون موجودة
- الاستماع إلى شائعات مغرضة تدين إحداهن يهرع مرتكب هذه الجريمة من فوره لارتكاب جريمته
- مشاهدتها برفقة شاب ربما بمحض الصدفة

وكم من جريمة ارتكبت واكتشف أن ضحيتها بريئة كل البراءة ؟ وكم من فتاة اتهمت بالحمل السفاح وقتلت واكتشفت براءتها بعد موتها ؟ وكم وكم وكم ؟؟؟

أظــن أنكـم سمعتــم بقصة الفتاة السعودية التي تورم بطنها فشخص لأهلها طبيب ( أخرق ) أنها حامل ، فحملها أبوها إلى البيت وظل يضربها حتى غابت عن الوعـــي ، وعندما نقلت إلى المستشفى تم إنقاذهــــا وذهـــــل الأهــــل بخبر أنها ( عــــــــــــــــــــــــــــــــــذراء ) ولكنها ظلت على فراشها وطلبت من ربها أن تموت لكي يشعر والدها أنها قتلها ظلما ً كي يعيش باقي عمره في حسرة ولوعة وهكذا كان لقد فارقت الحياة شريفة عفيفة وبقي والدها يموت كل يوم ألف مرة ألما ً وخيبة أمل .

ولئن ارتكبت الفتاة فاحشة فعلا ً وأثبت بالدليل القاطع أنها فعل ذلك ، ألا يدور في خلد ( غاسل العار ) قبل إطلاق رصاصته أو إغماد خنجره جسد الضحية أن يسأل نفسه الأسئلة التالية ؟؟؟ :

1- لماذا ارتكب الطرف الثاني فعلته تلك أليس هو الشريك المحرض وهل تحدث الفحشاء بين الفتاة ونفسها ومن يحاسبه على ذنبه ، هذا إذا اعتبر المجتمع فعلته ذنبا ً أليس هو الرجل الذي يحق له ما لا يحق لها ؟
2- هل هناك ظرف صعب دفع الفتاة إلى الرذيلة ( فقر – طلاق أبوين – تشرد – رفقة سوء – ضحية غدر – فرغ عاطفي وأسري ………… ) ؟

وتبقى الظاهرة قائمة وتبقى الجريمة جريمة ( ضحية قد تكون بريئة وجانيان أحدهما سلب الضحية حريتها وعفتها والآخر سلبها روحها ) وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤلات عديدة :
1- لماذا يبتعد جزء كبير من الجميع حتى عن شجب هذه الجريمة عندما تقع ؟
2- لماذا لا ندرس الأسباب الدافعة إلى الرذيلة ونبدأ في تذليلها ؟
3- لماذا لا يراجع القانون نفسه ويغلظ عقوبة القتل بحيث يتردد الجاني ألف مرة قبل إقدامه على جريمته ؟
4- لماذا لا يرفع المجتمع ضغطه القاتل عن عائلة مرتكبة الفحشاء وتعامل الحادثة على أنها جناية تخص فاعلها ( مثل السرقة ) ؟
5- هل غسلنا كل عار لحق بنا ولم يبق إلا هذا العار نتربص به ؟
6- لماذا لا يعامل الرجل معاملة المرأة ونسمح لزوجة أن تقتل زوجها الزاني ولأخت أن تقتل أخاها الزاني ؟
7- هل الشرف مربوط فقط في عنق المرأة مطلوب منها فقط الحفاظ عليه وللرجل كامل الحرية في التشريق والتغريب كما يحلو له دون حسيب ولا رقيب ، علما ً بأنه في كل تشريقة وكل تغريبة يجر امرأة إلى رذيلة ؟
8- أليس الاختلاس والنصب والاحتيال والتزوير والكذب والرياء والنفاق الاجتماعي والادعاء والدجل أمراض اجتماعية نتغاضى عنها لا بل ونمارسها مبرئين ساحتها من جرم أو عيب أخلاقي ؟

ولكن من ناحية أخرى :

1- أليست جريمة الشرف وسيلة ناجحة في ضبط المجتمع وربطه إلى تقاليده وعاداته ؟
2- أليست الدعوة إلى تغليظ عقوبة جريمة الشرف هي بحد ذاتها دعوة للفسق والفلتان ؟
3- هل نسينا أو تناسينا تراثنا القائم على صيانة العرض وحفظ الأرض والتضحية بالغالي والرخيص من أجل الشرف ؟
4- أليست جريمة الشرف سدا ً منيعا ً في وجه الهجمة الاعلامية الشرسة التي تروج الخلاعة والصياعة ؟
5- أليست مجرمة من تدنس بفعلتها الرخيصة سمعة عائلة أو تاريخ مجتمع ؟
6- من يرحم عائلة الجانية من نظرات السخرية والاستهزاء والاستصغار إذا لم يغسلوا ( عارهم ) ؟

ويبقى السؤال الكبير :
من أين نبدأ وكيف نقضي على أسباب الرذيلة ومن ثم على الرذيلة نفسها كي لا نقع في حيرة الموقف الصعب والقرار الأصعب ؟

أسئلة أتمنى أن نتفاعل معها علنا نصل إلى قناعة واحدة أو على الأقل منسجمة حول هذه الظاهرة تؤهلنا إلى تشكيل حشد نفسي مؤثر على التعاطي معها .

والجميع على الرحب والسعة …

نزار غالب فليحان …

المواضيع المرتبطة:

  1. اتجاهات ( الحلقة الرابعة ) المقاومة بين الطلقة والكلمة …
  2. ” اتجاهات – الحلقة الخامسة ” الأمة العربية بين الواقع المرير والجهل بالمصير
  3. اتجاهات ( الحلقة السادسة ) الفضائيات العربية بين الحرية والانتماء

8 من التعليقات لـ “اتجاهات – الحلقة الثالثة – جريمة الشرف بين مطرقة القانون وسندان العادات الاجتماعية”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع