اتجاهات – الحلقة الثانية – هل الهجرة حل لمشكلة ؟ أم مشكلة تستوجب الحل ؟

اتجاهات
بتاريخ الجمعة 2 يناير 2009 4:20 م

أرحب بكم في الحلقة الثانية والتي سنناقش من خلالها ظاهرة الاغتراب .

هل الهجرة ” حل لمشكلة ” أم ” مشكلة تستوجب الحل ” ؟؟؟

من نيويورك يشدو الشاعر الحمصي نسيب عريضة :

يا دهر قد طال البعاد عن الوطن
هل عودة ترجى وقد فات الظعن
عد بي إلى حمص ولو حشو الكفن
واهتف : أتيت بعاثر مردود
” واجعل ضريحي من حجار سود “

وينادي الشاعر الياس فرحات أمه من البرازيل علها تسمع صوته في كفر شيما ” لبنان ” :
أماه ليت مع النسيم رسالة
تأتي فترجعني إلى أفراحي
مرت ليالي العيد بي وكأنما
وجه العبوس بوجهها الوضاح
وكأن زائر وجهها لكآبتي
ليل يعج بأقبح الأشباح

ويقول أيضا ً :
نازح أقعده وجد مقيم
في الحشا بين خمود واتقاد
كلما افتر له البدر الوسيم
عضه الحزن بأنياب حداد

أما شاعرنا الكبير رشيد سليم الخوري ” القروي ” ابن البربارة ” لبنان ” فقد أعياه الانتظار حيث فضل أن يخاطب الشمس من البرازيل :

شمسَ لبنان انظري حال الغريب وارحميه
واذكري كل شروق وغروب لذويه
إنه صب وتذكار الحبيب ملء فيه

لقد دأب العرب على الهجرة من بلادهم إلى بلاد الاغتراب القديم ( الأمريكيتين ) ، وكان السوريون واللبنانيون يشكلون الغالبية العظمى من مهاجري الوطن العربي .
وقد تعاظمت هذه الظاهرة واتسعت وزاد عدد المهاجرين العرب تحت وطأة أسباب اقتصادية واجتماعية ودينية وسياسية دفعت بهؤلاء إلى أن يديروا ظهورهم لمناديل عشيقاتهم وأمهاتهم ودموع أخواتهم الذين عرفوا منذ وطأت أقدام أبنائهم سفن الاغتراب أنهم ليسوا عائدين وأن مقامهم سيطول ليس لأنه سيلذ لهم البقاء هناك بل لأن بلادهم لن تفكر بأسباب هجرتهم ولن تفعل شيئا ً يجعلهم يفكرون مجرد تفكير في العودة .
وهكذا كان ، لقد طوت السنون مئتها الثانية على الاغتراب وشقت طريقها إلى الثالثة ، وملايين السوريين واللبنانيين في البرازيل والأرجنتين وكولومبيا وفنزويلا والمكسيك وبنما والولايات المتحدة وكندا ومنهم من تسلم مقاليد الرئاسة هناك وكثيرون أعضاء في برلمانات تلك الدول ورجال أعمال وأطباء وعقول نيرة ومتقدة .
ولقد كان لأدباء المهجر كلمتهم التي لم يبخلوا بها علينا من هناك خلف البحار والمحيطات فجاء الينا شعرهم مشبع بالدموع والحنين والاعتزاز بالوطن والتعلق الشديد به والتفكير بشكل مستمر بأزماته وقضاياه المصيرية .
لقد أسس مرهفو الحس هؤلاء أدب المهجر عبر شعراء عظام أمثال : زكي قنصل وايليا أبي ماضي وجورج صيدح والأخوة معلوف وكثيرون كثيرون أرخوا مسيرة حياتهم الشاقة بكل صدق واخلاص ، وكان من أبرز هؤلاء الشاعر الكبير جبران خليل جبران الذي أطلق صيحة عربية في بلاد هي الأكثر غربية عبر تأسيس الرابطة القلمية التي زاولت نشاطا ً أدبيا ً عربيا ً غير مسبوق في بلاد الاغتراب .
كان لا بد من سوق تلك المقدمة لكي نلقي الضوء على تلك التجربة القديمة لكي نتمكن من عقد مقارنة مع أسباب الهجرة في وقتنا الحالي .
ولن تكون المقارنة معقدة ً لأن أسباب الهجرة لم تتغير في ظل الوضع المتردي لوطننا العربي البائس الذي ينزف كل يوم خبراته وشبابه المرتحلين إلى بلاد الاغتراب ، فلا الأوضاع الاقتصادية تحسنت ولا الحالة السياسية في طريقها إلى الانفراج ولا الوضع الاجتماعي قابل للتقدم .

فهل كتبت علينا الهجرة مثل الطيور حتى الطيور تعود بعد كل ارتحال ؟
أما آن لهذه الطيور أن تؤوي إلى أعشاشها ؟
هل تغيرت مناخات الوطن بحيث أصبحت توائم مغتربينا وتحفزهم على العودة ؟
هل تبددت الظروف الطاردة لأبناء الوطن ؟
ما الذي يغري المهاجر في العودة إلى الوطن بعد أن داس على قلبه وأجل مشاعره إلى حين ؟
من يعوض غربة عشرات السنين ؟
ومن يعيد الدموع إلى مجاريها التي جفت وتصحرت ؟
ومن ينعش الذاكرة التي توقفت عن سلم طائرة أو صخرة ميناء ؟
ومن يحيي الأحاسيس التي حارت وترددت إلى أن تسمرت حائرة ًعلى شغاف القلب ؟
ومن يوقد المشاعر التي أطفأتها ظروف الحياة التي لا تعترف إلا بلغة الأرقام ؟

ولكن من ناحية أخرى :

أليس المهاجر هو من قرر الهجرة وفضلها على البقاء ؟
أليست الهجرة هروبا ً من ظرف على كل مواطن مواجهته بقوة وشجاعة ؟
هل جرب المهاجر حلولا ً أكثر نجاعة أم أن الهجرة كانت كيا ً لا بد منه ؟
هل قطعت ” صرتنا ” على بلاد المهجر حتى باتت مرحلة حتمية من مراحل حياتنا لا بد من المرور بها ؟
أليس الوطن أكثر اهمية من المواطن وهو من يستوجب التضحية والبقاء فيه خدمة له وتضحية من أجله ؟
أليس هناك من ابناء الوطن من تعرضوا لنفس ظروف من قرروا الاغتراب ولكن فضلوا البقاء والتغلب على تلك الظروف ؟
هل يكفي الوطن أن نكتب به شعرا ً ونثرا ً ونؤكد له ولاءنا كل يوم ؟
أليس من الأفضل لنا دفع ضريبة الانتماء إلى الوطن شقاء ً وعناء ً وجهادا ً ونحن نحيا بين ظهرانيه بدل أن نغترب عنه ونبكيه شوقا ً صباح مساء ؟
أليس وراء اغترابنا هذا طمع بمال وظروف حياة اكثر رفاهية ؟
هل كل من اغترب تعرض لنفس الظروف التي تعرض لها مهاجرونا الأوائل أم أن الاغتراب كأس عذب يروق للجميع تذوقه ؟

أسئلة أطرحها على كل زوار الموقع وكتابه ، في حوار يستمزج الآراء جميعها ، ولكل محاور حرية أن يناقش أي تعليق لأي محاور آخر ….
وسيكون لنا في نهاية الحوار كلمة …

وسلامتكم – نزار غالب فليحان

المواضيع المرتبطة:

  1. ” اتجاهات – الحلقة الخامسة ” الأمة العربية بين الواقع المرير والجهل بالمصير
  2. اتجاهات ( الحلقة الرابعة ) المقاومة بين الطلقة والكلمة …
  3. اتجاهات – الحلقة الثالثة – جريمة الشرف بين مطرقة القانون وسندان العادات الاجتماعية
  4. اتجاهات ( الحلقة السابعة ) هل نظرية المؤامرة تفسير لواقع أم شماعة العجز عن إدراك الحقيقة ؟

13 من التعليقات لـ “اتجاهات – الحلقة الثانية – هل الهجرة حل لمشكلة ؟ أم مشكلة تستوجب الحل ؟”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع