الجمهور مش عايز كده …
منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود أطلق المتطفلون والدخلاء على الفن والثقافة مقولة ( الجمهور عايز كده ) تلك التهمة المليئة بالزور والبهتان الخالية من أي دليل والتي تفوح منها روائح التجهيل لعقول أجيال أبت أن تنصاع لادعاءاتهم …
حفنة من سماسرة السوء ودعاة الفن تملقوا وتحذلقوا وتهندموا وتشدقوا وشرعوا يقرعون طبول ( التغيير ) وينفخون مزامير ( التطوير ) مدعين أنهم هم من سينقذ الفن العربي من التردي وأنهم من سيخرج الزير من البير .
أطلقوا شائعتهم وساروا دون أن ينظروا وراءهم ، ظنوا أن آلاف مؤلفة ستصفق لهم وتمشي في ركابهم ، كذبوا الكذبة وصدقوها ، كثروا حتى أصبحوا أكثر من جمهورهم ، تغولوا حتى باتوا مافيات الفن والمسيطرين على أصوات كثيرة وأنامل أكثر ، قتلوا مواهب كثيرة ، وسوقوا أصوات النشاز والازعاج والتردي ، رسخوا ظواهر جديدة عل الساحة الفنية العربية ( الفن السيقان – الفن النهدان – الفن الأوراك المهتزة – الفن غرف النوم – الفن حمامات السباحة – الفن الابتذال بالمختصر المفيد ) .
ولكن يا سادة الساحة الفنية القذرة ( الجمهور مش عايز كده ) والأدلة أكثر من ان تحصى :
1- ألا تصيبكم الدهشة عندما تمتلىء مسارح وصالات ومدرجات بحضور لأصوات بعيدة كل البعد عن مستنقعكم العفن ؟
2- ألا تصيبكم الصدمة عندما تزحف الآلاف إلى ملعب كبير لمتابعة فنان ملتزم ؟
3- ألا تصابون بخيبة الأمل عندما ترون أسعار ( كاسيتاتكم ) تتردى باستمرار حتى تصل إلى ( بسطات ) زوايا الأزقة إيذانا ً بمشهد كوميدي تتقاذف فيه أرجل المارة فنكم الوضيع ؟
4- ألا تخجلون عندما يطلب منكم الغناء على مسرح أمام حضور يجب أن يحترم ثم تقفون كالبلهاء وتحركون شفاهكم دون النطق بحرف خشية افتضاح أمر نشازكم وعقم صوتكم ؟
5- أما آن لكم أن تعترفوا بفشلكم وسقوطكم المروع ؟
6- ألم تعصف بكم لحظة صدق مع الذات تنبئكم مدى امتعاض الجمهور منكم ؟
أيتها الفاتنات الراقصات العارضات : إنهم يتاجرون بكن ، يمتهنون أنوثتكن ، يغتصبون براءتكن ، يقتلون أحاسيسكن ، يجعلون منكن جسرا ً لمرور قوافل المال إلى جيوبهم ، ثم يرمونكن كالحطام .
وأنتم يا شباب الفن ، إذا كنتم ترغبون الفن حقا فللفن أصول يجب أن تعلموها ، ودروب يجب أن تسلكوها ، وأساليب يجب أن تتبعوها ، ونصائح يجب أن تطلبوها .
لا يستسهلن أحد الفن ، ولا يظنن أنه سيحوزه برمشة عين ، ولكم في عمالقة الفن خير أمثلة .
أنا لا أقول أنكم يجب أن تتعذبوا وتعانوا كما عانى وتعذب العمالقة ، ولكن لا بد من اتباع الأصول والدراسة والعلم وتوفر الموهبة .
لأن الجمهور يريد الفن الحقيقي ، الفن الذي يعبر عن هوية وقضية وذائقة وإبداع .
الجمهور يريد أن يصغي لا أن يسمع ، أن يُطرب لا أن يُضرب ، أن يتأمل لا أن يتألم ، أن يصفو لا أن يغفو ، الجمهور عايز هذه الكده وليست الكده ( ابتاعكم ) يا غجر يا عرة .
نزار غالب فليحان
المواضيع المرتبطة:
