الفصحى بين الانتشار والاندثار …
الأستاذ : ثامر فضل الله دويعر
قال الشاعر حليم دموس يوماً :
لو لم تكن أم اللغات هي المنى
لكسرت أقلامي وعفت مدادي
لغة إذا وقعت على أسماعنا
كانت لنا بردا على الأكباد
ستظل رابطة توحد بيننا
فهي الرجاء لناطق بالضاد
أفما رأيت الشمس وهي بعيدة
تهدي الشعاع لأنجد ووهاد
وتقاربُ الأرواحِ ليـسَ يضـيرهُ
بينَ الديارِ تباعـدُ الأجسـادِ
أنا كيفَ سرتُ أرى الأنامَ أحبّتي
والقـومَ قومي والبلادَ بلادي
و بعد ،،،
بماذا تشعر عزيزي القارئ بعد قراءة هذه الأبيات الشعرية ؟
نعم إنها اللغة العربية أول و آخر مقومات نهضتنا ، تلك اللوحة البديعة ،المتكاملة ، قديمة قدم التاريخ ، بتدفق لا ينضب ، غنية ، جزلة ، قوية كهدير أمواج البحر ، و رقيقة لترسم نسيم الصباح و ألوان الغسق ، حاكت الحب فغزلت أروع قصصه ، و ارتفعت رايتها فوق السيوف فكانت أشد فتكاً منها…..
فعلى أية حال هي الآن ؟؟؟ للأسف فإن الفصحى تتقلص و تضمر و يقّل حضورها
- كم من العرب غير المختصين يجيدون قواعد اللغة العربية في النحو و الصرف و الإملاء و حتى إنشاء الجمل السليمة و إتقان التعبير.
- ما سبب تزايد تعاطي الشعر الشعبي و العامي و النبطي حتى أصبح لهؤلاء الصحف و المحطات الفضائية و الدواوين و شاعر المليون على حساب الشعر الفصيح .
- انتشار رقعة استخدام العامية في المدارس و الجامعات و وسائل الإعلام و هي الساحات التي خلقت لحماية لغتنا الفصحى و الذود عنها.
- التأكيد على اللهجات المحلية في وسائل الإعلام فحلقت اللبنانية و الشامية و الخليجية و المصرية على حساب لغتنا القومية
في سبعينات القرن الماضي و نحن في المدارس الابتدائية ظهر بين أقراننا مَن ينطق كلمات غريبة فكانت “أوكي ، تشاو ، ميرسي” و كانت هذه الكلمات مستهجنة من المحيطين ، و توالت الأيام فصارت اللغة العربية و الفصحى في معسكر و اللهجة العامية و الألفاظ المستوردة من الغرب في معسكر آخر ، و الكفة شيئاً فشيئاً ترجح لصالح الفريق الثاني فازدادت رقعة العامية اتساعا ً في الاستخدام حتى طالت وسائل الإعلام و دور النشر و المحطات الفضائية و بعض أهم و أعرق الإذاعات العربية فانتشرت كلمات ” دلوقتي حتشوف ، شو الحل ، و غيرها حتى طال هذا الاستعمار الغاشم الإعلانات في الصحف و الشوارع .
و مع انطلاقة الانترنت هذا الزائر الذي طغى بأكثر ما طغى من غيره من الغزاة و صار و بالإكراه شئت أم أبيت فرداً من أفراد العائلة خُلقت لغة غريبة عجيبة زادت الطين بلة و أصبحنا كالمستجير من الرمضاء بالنار و إليكم هذا الشاهد
- El slam 3lekm w r7mt allah wbrakato
- كلمة سؤال تكتب so2al، كلمة سبأ تكتب saba2 ،3omri عمري،6ablah طبلة،4la4ah ثلاثة،7amed حامد،5aled خالد، me8dad مقداد،9orah صورة.
و هذه هي النتيجة عزيزي القارئ لغة من سفاح انتشرت و تزايد انتشارها .
و عن الشعر النبطي المنتشر انتشار النار في الهشيم فإن سؤالاً يدور في خلدي هل يستطيع شعراؤنا الشعبيون هؤلاء أن يكتبوا شعراً فصيحاً و يتقنوا مبادئ العروض و مقامات الشعر ؟
و إن كانت الإجابة بنعم لماذا اختاروا اللهجات المحلية ؟؟؟
كلنا يعرف الداخل كالمفكرين فقد أجادوا الشعر النبطي بنفس إجادة الشعر الموزون و هذا نسميه شاعراً أما ما نراه الآن لأفراد يسمون أنفسهم شعراء و الشعر منهم براء فما هو إلاّ صفصفة حكي .
و بناء على ما تقدم هل نستطيع أيها الأصدقاء تحديد من هو عدو اللغة العربية الفصحى ؟؟
هل هو من الداخل كالمفكرين دعاة العامية كسعيد عقل و مارون غصن و غيرهم ، أم وسائل الإعلام العربية المرئية و المسموعة، أو شعراء الشعر الشعبي .
و هناك من يتهم مناهج التعليم التقليدية و التي لم ترتق إلى آفاق التحديات المعاصرة و غير مؤهلة لحفظ و صون لغتنا القومية من الاندثار فخُلقت قطيعة بين الأجيال اليافعة و بين حب تعلم اللغة الفصحى .
الكثير الكثير من أصابع الاتهام توجه باللائمة على وسائل الإعلام و دورها في تغريب اللغة الفصحى و تعميق الهوى بين أقطارها و التباهي إلى حد المغالاة باللهجات المحلية .
أم عدو لغتنا هو عدو وجودنا و مغتصب أرضنا و معه كل المتربصين و الحاقدين و أعداء الأمة و ما حملوه في جعبتهم عبر التاريخ من الفرنّسة و التهويد و طمس مقومات وحدتنا .
و خناماً السؤال لك عزيزي القارئ :
هل اللغة العربية الفصحى لغة جامدة ثقيلة لا يمكن عصرنتها و تطويرها ، و لا تجاري الركب الحضاري و التكنولوجي ؟
لماذا لم نتعلم من حرص اليابان التي لم تتخل عن تراثها الفكري الذي يرتد إلى عدة قرون خلت ، و لم تتخل عن لغتها الأم في مسيرتها نحو التقدم و التحضر المدني ؟
و كذلك في الولايات المتحدة الأمريكية ففي ولاية تكساس قرية صغيرة عدد سكانها 7800 اختارت الإسبانية لغة لها، فثارت طبول طواحين الإعلام على مدينة (السنزو) الأمريكية، ورأوا الخطر المحدق بأمريكا ، وعلى اللغة الأمريكية من هذه الظاهرة ، وهي قرية صغيرة في ولاية تكساس، وبدأ العلماء والباحثون يدرسون خطر اللغة الأسبانية التي اتخذتها قرية السنزو على أمريكا، وعُدَّت القرية خطراً على لغة أمريكا القومية .
يقول نضال البياني ( صحيفة الاستقلال – غزة ) : إن نبذ لغتنا وتغريبها في منفى بعيدا عن متطلبات واقعنا المعاش,هو نبذ لهوية وتراث وثقافة أمة بأسرها, فاللغة أس نهضتها وجوهرها الحضاري , وجل مايخشاه كل غيور على هويته ولغته القومية , أن تستمر عمليات تغريب اللغة بشكل مكثف حتى يعتريها قتام الدهور, ويتردى ذوق بنيها إلى الحضيض حيث الدخائل من لغات هجينة ,التي سوف تعتنق كبديل عن اللغة القومية المهملة , التي سيكون بعد ذلك مآلها الطبيعي كبقية أمجادنا الغابرة التحنيط !!فاللغة كائن حي , يقوى ويضعف, ويحيا ويموت , وحياة ونهوض اللغة مرهون بحياة ونهوض أهلها فنحن محتاجون لإعادة الثقة في أنفسنا والإيمان بقدرة لغتنا, وأن ننشر وعيا لغويا بأهمية اللغة بين الأجيال الناشئة, وماتمثله اللغة من دور رئيسي في نهوض الأمة, وأحرى بنا أن نفرضها فرضا في جميع مستويات التعليم , وجميع المؤسسات الثقافية ووسائل الاتصال,ونكثف من عمليات التعريب في مختلف العلوم .
فهل تضموا أصوتكم إلى أصواتنا ؟؟؟
المواضيع المرتبطة:



اعتذار …
تعتذر إدارة التحرير عن عرض الأبيات في مقدمة المقالة بشكل معكوس .
لقد وقع ذلك بسبب خطأ تقني وقد تم تداركه .
نزار