اللغة العربية آخر معاقل القومية العربية …
اللغة العربية آخر معاقـل القومية
بعد أن سقطت كل معاقل القومية العربية على مذبح الخصومات العربية العربية التي أخذت شكل الحرب في بعض الأحيان ، وبعد أن فشلت كل تجارب الوحدة لأسباب قد يكون أهمها غريزة التفرد والتسلط من جهة ، والرغبة في الانعتاق والتحرر من جهة أخرى ، وبعد أن أصبح أعداء بعض العرب أصدقاء وحلفاء للبعض الآخر ، وبعد أن ذهبت طموحات بعض العرب في عكس اتجاه طموحات البعض الآخر ، وبعد أن كرست وسائل الإعلام العربية في إصداراتها مفهوم الشعوب العربية ، وبعد أن أعلنت جهات عربية عديدة عن انتماءات أخرى غير عربية وعن تاريخ آخر غير ذلك التاريخ العربي ، لم يعد للعرب ( كما كانوا يلقنوننا في المدارس ) آمال وآلام مشتركة ، ولا انتماء قومي واحد ، ولا مشاعر قومية منسجمة ، ولا تاريخ واحد ، حتى الحدود الوهمية التي رسمتها ( سايكس بيكو ) تحولت إلى واقع معترف به وبات كل بلدين عربيين متجاورين يطالبان بترسيمها ( دوليا ً ) ، ومنها من ضرب حول حدوده ساترا ً رمليا ً مرتفعا ً على هيئة جبال مصطنعة توطئة ً لرفع جدران إسمنتية شارونية عالية بينها .
ولكن العزاء للذين مازالوا يؤمنون بالفكر القومي العربي ، هو وجود اللغة العربية التي مازالت على قيد الحياة ، والتي يريد لها البعض أن تتوارى ليضيق الخناق أكثر على عنق الأمل بشكل ما لوحدة عربية أو تضامن عربي أو حتى حسن جوار عربي .
وأبرز ما يمكن ذكره في هذا المقام هو الممارسات الخاطئة لأجهزة الإعلام العربية في التعاطي مع اللغة العربية ، حيث ينأى الكثير من تلك الأجهزة بنفسه عن التعاطي معها هاربا ً وبشكل متعمد إلى اللغة المحلية التي بدأت تتسع رقعتها ويشيع استخدامها ، وبعض تلك الأجهزة يدعي أنه يتعاطى اللغة العربية الفصحى ، وليته لم يفعل لأن الاستماع إلى نشرة إخبارية واحدة فيها يصيبك بالغثيان من كثرة المطبات اللغوية الواضحة والفجة حيث يجزم المرفوع ويجر المنصوب وتلفظ السين والزاي بدلا ً من الثاء والذال ، ويبدو لك النص الإخباري وكأنه بلا علامات تنقيط ، فلا تعرف متى تنتهي العبارة ومتى تبدأ جملة جديدة ، وعلى أي أساس قطعت جملة أو استؤنف الكلام إلى ما هنالك من الأخطاء التي تحطم جمال لغتنا وتلحقها بباقي اللهجات التي لا تخضع لضابط أو رقيب .
والأدهى والأمر من هذا وذاك ، ما نتابعه في الإعلانات في الصحف اليومية وعلى شاشــات التلفـــاز وفي الطرقات ، على غــرار ( اشتري واربح ) بـدلا ً من ( اشـتر واربح ) أو ( موظفين مبيعات ) بدلا ً من ( موظفو مبيعات ) … الخ .
وحتى بعض المسلسلات والمسرحيات العربية الناطقة بالفصحى والتي من المفترض أن تراقب لغويا ً ، تقع في أخطاء لا يمكن التغاضي عنها ، فتشوه جمالية العمل وتسخر من عقول المتابعين عملا ً بقاعدة أن المشاهدين لن يدققوا وأن همهم هو الفرجة فقط في زمن تفوقت فيه الصورة على الكلمة .
ما يخشى هنا أن نكون أمام لغة ثالثة ( تأسيا ً بالجنس الثالث ) هويتها مزيج من العامية والفصحى ، تجيز لكاتبها ومحدثها وقارئها أن يرتكب ما يشاء من الأخطاء في النحو والصرف واللفظ والإملاء تحت غطاء مرونة اللغة .
هي دعوة صادقة للحفاظ على ما تبقى من شكلنا العربي ، على هويتنا الحقيقية ، لأن العالم لن يقبلنا بدون تلك الهوية ، والفرنسي لن يطرب لسماعنا نتكلم بالفرنسية ولا البريطاني ولا الروسي ، فهم كما يحترمون تراثهم ولغتهم وثقافاتهم ، يريدون معرفة تراثنا ولغتنا وثقافتنا لكي يتعرفوا على الشخصية التي نطالبهم باحترامها .
وإذا كانت هذه الدعوة غير مقبولة لأنها تنطلق من فكر قومي وحدوي عروبي ، فلتكن الدعوة للحفاظ على اللغة العربية من منطلق علمي بحت يهدف إلى الإبقاء على رمز أساسي من رموز الهوية العربية التي ترسم أبعاد الشخصية العربية وتاريخها ومحتواها الثقافي والفكري .
المواضيع المرتبطة:

الاخ المحترم نزار
اشكرك جزيل الشكر على الموضوع الهام الذي طرحته عن لغتنا الجميلة المصابة بمرض التآكل المتعمد من بعض الجهات والذي ازداد بعد ظهور العولمة .
الحقيقة هذا الامر يؤرق كل انسان عربي غيور على لغته الام ، لان اللغة هي الشخصية التي تميزنا امام شعوب الارض وهي قميصنا الذي لا يمكن ان نتخلى عنه ، ولو نزعنا هذا القميص فاننا سنتوه في صحراء بلا نهاية ، ونصبح شعوب بلا هوية ولا نكهة .
صدقت اخي نزار في كل ما قلته عن الصحافة والمسلسلات التلفزيونية التي تستسهل الكلمات العامية في طروحاتها المختلفة ، كما انه يؤسفني جداً عندما اسمع كثير من مسؤولي الحكومات العربية من وزراء وغيرهم من المناصب الرفيعة وهم يتكلمون اللغة الاجنبية خلال اللقاءات الصحفية وغيرها ، وعلى ما اعتقد هذا هو بيت القصيد ، فاذا كان المسؤولين في الدولة لا يحترمون لغتهم فهل نطلب من المواطن العادي احترامها والتكلم بها ؟
اعتقد ان الحفاظ على اللغة العربية من التآكل والتصدع وتحويلها الى لغة مزيج بين الفصحى والعامية هي مهمة وطنية بالدرجة الاولى وتقع على عاتق الحكومات العربية في تشريع قوانين صارمة على الهيئات والمؤسسات والمنظمات المختلفة لاستخدام اللغة الفصحى في تعاملاتها ، مع ضرورة التزام كافة مؤسسات الدولة بتطبيق استخدام اللغة العربية الفصحى ، والعمل على نشر الوعي اللغوي على مستوى الدولة بالطرق المختلفة .
مع ودي وتقديري لك .