اللغة العربية آخر معاقل القومية العربية …

مقالات,همسات نزار غالب فليحان
بتاريخ الجمعة 8 مايو 2009 1:35 ص

اللغة العربية آخر معاقـل القومية

بعد أن سقطت كل معاقل القومية العربية على مذبح الخصومات العربية العربية التي أخذت شكل الحرب في بعض الأحيان ، وبعد أن فشلت كل تجارب الوحدة لأسباب قد يكون أهمها غريزة التفرد والتسلط من جهة ، والرغبة في الانعتاق والتحرر من جهة أخرى ، وبعد أن أصبح أعداء بعض العرب أصدقاء وحلفاء للبعض الآخر ، وبعد أن ذهبت طموحات بعض العرب في عكس اتجاه طموحات البعض الآخر ، وبعد أن كرست وسائل الإعلام العربية في إصداراتها مفهوم الشعوب العربية ، وبعد أن أعلنت جهات عربية عديدة عن انتماءات أخرى غير عربية وعن تاريخ آخر غير ذلك التاريخ العربي ، لم يعد للعرب ( كما كانوا يلقنوننا في المدارس ) آمال وآلام مشتركة ، ولا انتماء قومي واحد ، ولا مشاعر قومية منسجمة ، ولا تاريخ واحد ، حتى الحدود الوهمية التي رسمتها ( سايكس بيكو ) تحولت إلى واقع معترف به وبات كل بلدين عربيين متجاورين يطالبان بترسيمها ( دوليا ً ) ، ومنها من ضرب حول حدوده ساترا ً رمليا ً مرتفعا ً على هيئة جبال مصطنعة توطئة ً لرفع جدران إسمنتية شارونية عالية بينها .

ولكن العزاء للذين مازالوا يؤمنون بالفكر القومي العربي ، هو وجود اللغة العربية التي مازالت على قيد الحياة ، والتي يريد لها البعض أن تتوارى ليضيق الخناق أكثر على عنق الأمل بشكل ما لوحدة عربية أو تضامن عربي أو حتى حسن جوار عربي .
وأبرز ما يمكن ذكره في هذا المقام هو الممارسات الخاطئة لأجهزة الإعلام العربية في التعاطي مع اللغة العربية ، حيث ينأى الكثير من تلك الأجهزة بنفسه عن التعاطي معها هاربا ً وبشكل متعمد إلى اللغة المحلية التي بدأت تتسع رقعتها ويشيع استخدامها ، وبعض تلك الأجهزة يدعي أنه يتعاطى اللغة العربية الفصحى ، وليته لم يفعل لأن الاستماع إلى نشرة إخبارية واحدة فيها يصيبك بالغثيان من كثرة المطبات اللغوية الواضحة والفجة حيث يجزم المرفوع ويجر المنصوب وتلفظ السين والزاي بدلا ً من الثاء والذال ، ويبدو لك النص الإخباري وكأنه بلا علامات تنقيط ، فلا تعرف متى تنتهي العبارة ومتى تبدأ جملة جديدة ، وعلى أي أساس قطعت جملة أو استؤنف الكلام إلى ما هنالك من الأخطاء التي تحطم جمال لغتنا وتلحقها بباقي اللهجات التي لا تخضع لضابط أو رقيب .
والأدهى والأمر من هذا وذاك ، ما نتابعه في الإعلانات في الصحف اليومية وعلى شاشــات التلفـــاز وفي الطرقات ، على غــرار ( اشتري واربح ) بـدلا ً من ( اشـتر واربح ) أو ( موظفين مبيعات ) بدلا ً من ( موظفو مبيعات ) … الخ .
وحتى بعض المسلسلات والمسرحيات العربية الناطقة بالفصحى والتي من المفترض أن تراقب لغويا ً ، تقع في أخطاء لا يمكن التغاضي عنها ، فتشوه جمالية العمل وتسخر من عقول المتابعين عملا ً بقاعدة أن المشاهدين لن يدققوا وأن همهم هو الفرجة فقط في زمن تفوقت فيه الصورة على الكلمة .
ما يخشى هنا أن نكون أمام لغة ثالثة ( تأسيا ً بالجنس الثالث ) هويتها مزيج من العامية والفصحى ، تجيز لكاتبها ومحدثها وقارئها أن يرتكب ما يشاء من الأخطاء في النحو والصرف واللفظ والإملاء تحت غطاء مرونة اللغة .
هي دعوة صادقة للحفاظ على ما تبقى من شكلنا العربي ، على هويتنا الحقيقية ، لأن العالم لن يقبلنا بدون تلك الهوية ، والفرنسي لن يطرب لسماعنا نتكلم بالفرنسية ولا البريطاني ولا الروسي ، فهم كما يحترمون تراثهم ولغتهم وثقافاتهم ، يريدون معرفة تراثنا ولغتنا وثقافتنا لكي يتعرفوا على الشخصية التي نطالبهم باحترامها .
وإذا كانت هذه الدعوة غير مقبولة لأنها تنطلق من فكر قومي وحدوي عروبي ، فلتكن الدعوة للحفاظ على اللغة العربية من منطلق علمي بحت يهدف إلى الإبقاء على رمز أساسي من رموز الهوية العربية التي ترسم أبعاد الشخصية العربية وتاريخها ومحتواها الثقافي والفكري .

المواضيع المرتبطة:

  1. REFLECTION ( عربليزي ) …
  2. عولموا … فلماذا لا نعورب ؟؟؟!!!
  3. REFLECTION ( الحلقة الثالثة ) – هل بدأ ” الاتجاه المعاكس ” يفقد بريقـَهُ ؟
  4. تابوهاتنا …
  5. REFLECTION – ويكليكس والاعلام العربي

7 من التعليقات لـ “اللغة العربية آخر معاقل القومية العربية …”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع