النقد وأهميته … بين الحقيقة والوهم

مجلة همس النوافذ - العدد 2, همسات عماد غالب بلان
بتاريخ الأحد 28 فبراير 2010 2:23 ص

الأستاذ : عماد غالب بلان

مشهد 1 :

.. خلال جلسة أنس حميمة جمعت أصدقاء و زملاء ، بينهم الطبيب والمهندس والمحاسب والمدرس والموظف والفنان .. التفتَ أحدهم إلى صديقه المجاور له قائلاً : لقد قرأ صاحبنا مقالتك الأخيرة التي نشرتَها قبل أيام ، وعلمتُ منه أنه انتهى اليوم من إعداد مقالة نقدية تفصيلية تتناول مقالتَكَ .. انتفض الصديق واستشاط غضباً .. نفثَ دخان سيجارته بعصبية .. ثم قال بسخرية : خليه يروح عنا يا .. يروح ينتقد حاله .. بس شاطر ينتقد غيره ؟ .. شو هالناس ؟ .. ما عندها شغل غير الانتقادات ؟؟ !! .. تساءلتُ مع نفسي : كم يستحق صاحبنا هذا من شفقة ومواساة .. بالله عليكم ؟؟           

 

مشهد 2 :

.. رافقتُ صديقاً لحضور ندوة ثقافية عامة كان موضوعها ( أعمال نزار قباني .. ورؤية نقدية ) ، وقبل وصولنا إلى القاعة بدقائق ، التفت الصديق متسائلاً باستغراب : لقد احتل نزار قباني مكانته العريقة في قمة النجومية بين معاصريه من الشعراء ، فمن بعد ذلك يجرؤ على التعرض بالنقد لشعره ؟؟.. آثرت الصمت ‍‍‍‍!! ليس جهلاً بالإجابة ، بل – وكما قالها أحد الظرفاء – حِداداً على روح السؤال الذي وُلِد ميتاً ، لم يفاجئني موقف صديقي هذا – وهو من خريجي كلية الآداب ، قسم اللغة العربية – والذي كشف دفعة واحدة ، وببساطة وعفوية ، عن ضحالة في الفهم وقصور في الإحاطة بحقيقة معنى النقد كعلم ممنهج وأداة مفصليّة لتقييم المنتجات الإنسانية من فكر وفن وثقافة وأدب بوجه خاص .. وكذلك الأمر بالنسبة لصديقي بطل المشهد الأول .. !!

 

.. كما قلتُ ، لم أفاجأ بموقف الصديقين الطيبين ، فكلمة ” نقد ” ما زالت تنتقل وتطير بجناح واحد ومكسور أيضاً في دهاليز عقول الكثيرين منا – نحن العامة – إذ أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم واحد سلبي هو في حقيقته أحد توأمين ، ثانيهما هو مفهوم إيجابي يختفي عن بصيرة الناس خلال جلسة يُفتَرَض أنها .. نقدية . وباختفائه يختل ميزان العدل والمنطق ، وتضيع من أيدينا فرص شتى للتمتع بمواطن جمال وإبداع وارتقاء بالفنون والآداب .

.. كلمة ( نقد ) هي مصدر للفعل ( نَقَدَ ) ، وربما اشتُقَّت قديماً من عمل الصيرفي في فرزه و تصنيفه للنقد ( المال ) الحقيقي منه من المزيّف ، ويقال أيضًا ” نَقَدَ الطير الحَب ” أي انتقاه واصطفاه بعد أن ميَّزه عن الرمل أو غيره مما لا يأكله الطير.. هذا فضلاً قد تجود به معاجم لغتنا العربية الجميلة من معان ٍ أخرى لكلمة ” النقد ” .

.. ومن هذين المصدرين البسيطين ومن غيرهما ، نستنتج أن المفهوم الأساسي للنقد هو ” التقييم ” الذي يقوم على فرز الصالح من الطالح من أي عمل خاضع للنقد – ولا يخلو عمل من وجوب خضوعه للنقد – ذلك الفرز والتصنيف والتقييم لا يمكن أن يتم بعيداً عن خبرة وممارسة جادة ومتخصصة في أسلوب ومنهجية النقد عامة ، والموضوع الخاضع للنقد خاصة . ولطالما طالعنا صفحات واستمعنا إلى محاورات تتناول بالنقد قصيدة .. أغنية .. قصة قصيرة أو رواية ..مسرحية .. لوحة .. تمثالاً .. فتراه غالباً ما يكون نقداً يرفرف بجناحه الوحيد الهزيل أو المكسور على الموضوع المُنتَقَد ، دون الالتزام بالمسطرة المنهجية لأدنى قواعد وأصول النقد . وأرجو أن أنوه بأنني أقصد بالنقد الناقص هو ما يجري تداوله بين العامة من الناس ، ولا أقصد المتخصصين بذلك العلم المُستَقل رغم تفاوت الناقدين أنفسهم في مستويات مُنتجاتهم النقدية .

 

.. في قصيدة ما مثلاً ، نتحدث عن صورة جميلة هنا ، وعبارة بليغة هناك ، وبلا إطلاق وتعميم ، وبنفس الوقت قد نشير ، وخلال نفس تلك القصيدة ، إلى اختلال في الوزن هنا ، وخطأ في اللغة أو الإملاء هناك .. أيضاً دون إطلاق وتعميم.. فالإطلاق هو حكم شمولي تعسفي ظالم غالباً ما يسود صيغة الحكم كالقول : ( كل ) القصيدة رائعة .. عظيمة ..!! ونتحدث مثلاً عن اللون الغنائي للفنان الكبير الراحل ” فريد الأطرش ” ، وأكرر :عن لونه الغنائي فقط  –  وبعد إذنكم – فنقول : إن اللون الغنائي ذلك العبقري ينتمي إلى ” البكائيات ” !! فما إن تلفظ حرف التاء الأخير من تلك الكلمة حتى تقوم دُنياهم ولا تقعد .. : فريد ؟! أنتَ تنتقد فريد ؟! فريد أعظم واحد ” دق ” على العود !! وأحن واحد غنَّى – هكذا يصفون : أعظم واحد .. !! .. لاحظوا هنا الخلط الجاهل بين اللون والعزف والصوت .. والذي يفتقر إلى أدنى حد من أصول ” المحاكمة ” والنقد .

 

.. ثم تطالع مقالة ما .. فتتحدث عن عمق المغزى هنا ، وروعة الإيحاء هناك .. وتنتقل إلى العنوان لتشير إلى جاذبيته .. وتشيد بالبناء المتكامل للمقالة والتسلسل المنطقي للسرد .. فتنبسط أسارير كاتبها .. وما إن تبين له فداحة الكم الهائل من الأخطاء القواعدية اللغوية في مقالته حتى ” يمطمط شفتيه ويقلبهما يمنة ويسرة ” ممتعظاً ومستنكراً مولوِلاً على طريقة الفاضلة ” تحية كريوكا ” .

   
.. إذن ، فمن الملاحظ والمؤكد أن الموقف لدى عامة الناس يقوم على النظرة إلى الناقد وكأنه مهاجِم عدواني ذو هدف تدميري يسعى إلى التشنيع والتجريح والإساءة إلى العمل موضوع النقد ، ثم تتصاعد النظرة إليه على أن هجومه أساساً يستهدف صاحب العمل شخصياً ( المنتَقَد ) الذي لا يتوانى بدوره عن استنفار كل الوسائل لمواجهة ناقده في البداية ثم لا يلبث أن يلجأ مضطراً إلى استخدام الألفاظ النابية وبعدها يجرّد ما لديه من قوى مادية تبدأ بقبضتيه وقد تنتهي بالكراسي والطاولات .. ثم للسجن أو للمشفى . وتلك نتيجة طبيعية لوضع غير طبيعي ألا وهو الفهم الناقص والمشوَّه لحقيقة النقد ودوره الهام في المجتمع الإنساني من حيث كونه الميزان الأساسي لتقييم الإنتاج الإنساني الفكري والعملي وتصنيفه وفرزه .

 

.. وتتضح خطورة الفهم القاصر المشوَّه للنقد إن تخيَّل أحدنا قضيةً داخل قاعة محكمة صدر فيها حكم جائر بإعدام متهم بريء لأن حضرة القاضي لم يكلف نفسه دراسة القضية ولم يستمع إلى محامي الدفاع والنائب العام ، ذلك المتهم البريء هو ” الموضوع المستهدف بالنقد ” والقاضي هو الناقد الجاهل !!

 

.. اطلعت ذات يوم على قرار رسمي صدر في دول أوروبا يقضي بالسجن مع الأشغال الشاقة لكل ناقد لكتاب ثبت أنه لم يقم بالدراسة والبحث المطلوبين !! وأي نوع من الأشغال الشاقة ؟  ؟؟ إنه حكم بالسجن والقراءة لعشر ساعات مستمرة في اليوم .

 
.. وبرأيي المتواضع فإني أتمنى أن يعمل المسؤولون عن الشؤون التعليمية والتربوية والتثقيفية في بلادنا المعطاءة على توسيع دائرة الاهتمام بالنقد كعلم نظري ، وتطبيقه عملياً منذ المراحل الابتدائية الأولى ، لما في ذلك من اجتثاث لجذور المفهوم المشوَّه للنقد واستبداله بتأسيس مفهومه الصحيح ، فهل من مستجيب ؟؟

لا توجد مواضيع مرتبطة.

18 من التعليقات لـ “النقد وأهميته … بين الحقيقة والوهم”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع