ثياب البنات
الأستاذ : فيصل تركي خليفة
يأتي كل يوم من دوامه الرسمي ، حاملاً بكلتا يديه عدة أكياس من المونة وما يحتاجه البيت من أشياء طـُلبت منه مرات عديدة ، يدخل البيت مبتسماً غير آبهٍ بتعبه الجسدي . كان أبو ثائر موظفاً من الدرجة الأولى حسن السيرة و السلوك في مجال عمله ، لم يرتشِ يوماً كما هي موضة هذه الأيام.
أبو ثائر كان يدرك تمام الإدراك أن راتبه لا يكفي فلهذا كان يتناول طعام الغداء يمازح بناته الأربع يرتاح قليلاً و ينهض من جديد لعمله الثاني حيث كان يصلح بعض الأدوات الكهربائية.
راقبته لعدة أسابيع و الحال لم يتغير، عمل ، حمل أكياس ، طعام ،عمل ونوم. مسلسل حياتي يومي بلا فواصل.أبو ثائر لم يكن يحمل من صفات لقبه، سوى الاسم.
قد يكون كل هذا عادياً. ولكن ما لم يكن عادياً هو تلك الثياب التي كانت ترتديها بناته حين يخرجن لأمر ما، كنت أتعجب كيف يقدر أبو ثائر المسكين على شراء كل هذه (الموديلات ) الحديثة لبناته اللواتي كنَّ بعمر الشباب.تلك الثياب كانت كبقية الموديلات السائدة في أيامنا هذه ولكنها باهضة الثمن بلا شك.عداك عن (الموبايلات ) الحديثة بالطبع تماشياً مع درجة الثياب. والطامة الكبرى أنهن بتن يتصرفن على أساس أنهن بنات ذوات ،انعكاساً لمستوى الثياب التي يرتدين .
حدث يوماً أن زرته في تلك الدكان التي يعمل فيها و التي هي جزء من بيته. تبادلنا الحديث إلى أن وصلت لمقصدي . فقلت له بعد حديثٍ مطول عن القلة و الرواتب : يا أخي لماذا لا تقلل من مصروف بيتك على الثياب الجديدة مثلاً ولو لفترة من الزمن؟ فأجاب بكل عفوية “والله لم أشترِ قميصاً من سنة يارجل.أي مصروف هذا الذي تتكلم عنه!!” و حين وضحّت له الصورة و المقصود بكلامي.رفض الإجابة، ولكن بعد ما تيقن نيتي قال:
يا أخي، طيب هؤلاء بنات و بسن الزواج ، وإن لم يكنَّ بمستوى مثيلاتهن لن يتقدم لهن عريس هذا من جهة. و كي لا يشعرن بأي نقص مقارنة بالأخريات ، فأنا على استعداد و الله أن أقترض أي مبلغ لشراء ثياب للبنات .
قلت: حسناً يا أبا ثائر أليس في هذا تعب عليك و كذب على واقعك ؟
قهقه أبو ثائر قائلاً: سامحك الله يا رجل ….. أأنا الوحيد الذي يكذب على واقعه؟ لماذا لا تسأل أصحاب الولائم، أو من يقترض ليعمل عيد ميلاد لابنه في أحد المقاهي الفاخرة؟ أو من يرهن أرضه أو أرض أبيه ليشتري سيارة لزوجته ؟ أو من يلبس زي الدين ليستتر……… إذا ما أردت قياس الكذب عندنا فسأكون أنا من كُسالى الكذابين. وانقطع عن الحديث لفترة و كذلك أنا ليسود الصمت، ولكن سرعان ما كسره أبو ثائر- الممتلئة عيونه بدموع لم أجهد نفسي بتفسيرها- قائلاً : على مايبدو أن أجهزتكم الكهربائية يابانية فهي لا تعطل أبداً. ضحكتُ بكل قواي و من صميم قلبي وفهمت منه أنه يريد طردي و لكن بأسلوب مؤدب كما هو أبا ثائر مؤدب.
خرجت من عنده متثاقلاً حاقداً على بناته الأربع ولكن ليس لدرجة الكره.ولكني قبل ابتعادي كثيراً عنه عدت لأقول له : لكن يا أبا ثائر يبقى هناك من يُقيّم الجوهر قبل المنظر.
و مرة أخرى أجابني ممازحاً: يا رجل اعتقدت أنك تريد تصليح شيء والآن تذكرته.
لا توجد مواضيع مرتبطة.


المحترمة رشا:
مما لاشك فيه أبداً أن مرورك مرحب به كثيراً
و لعل مشكلة أبي ثائر هي مدخل لمناقشة اسباب ظاهرة ثياب البنات و التي تقود لمشكلة التقييم و التي تنتهي بزوجة ………
اما المنطق فهو الحكم بكل الحالات و ليبقَ القرار لصاحب القرار
شكراً كثيراً أيتها الرشا