حلف المدن العشرة ( الديكابوليس )
ترجمة وإعداد الأستاذ : كمال الشوفاني
“مدينة جــــــــــــــــرش”
الديكابولس(1) تعني ( المدن العشر ) من الكلمتين اليونانيتين(ديكا) و معناها عشرة و (بولس)
و معناها مدينة . وقد كانت تلك المدن على أطراف الإمبراطورية الرومانية في سوريا و فلسطين . لم يكن بين المدن العشر رابطة رسمية أو اتحاد سياسي , و لكنها صنفت معا كمدن تجمعها اللغة
و الثقافة و الموقع و الوضع السياسي . كانت مدن التحالف هي مركزا للثقافة اليونانية و الرومانية جنبا إلى جنب مع الثقافة السامية التي انبثق عنها في تلك المنطقة الثقافة الآرامية والنبطية و اليهودية . باستثناء دمشق فإن تلك المدن كانت في المنطقة الواقعة بين شمال شرق فلسطين و شمال غرب الأردن اليوم و جنوب غرب سوريا . وكل مدينة كان لها درجة معينة من الاستقلالية والحكم الذاتي .
إن الاسم التقليدي لهذه المدن ( الديكابولس ) جاء على لسان المؤرخ الروماني بلينيوس الكبير
و عدََّدها كما يلي :
1- جراسا (جرش ) في الأردن
2- ثيسوبولس (بيت شان ) بيسان في فلسطين
3- هيبوس أو سوسيتا ( قلعة الحصن ) في الجولان المحتل
4- جادارا ( أم قيس ) في الأردن
5- بيلا (طبقة فحل ) في الأردن
6- فيلادلفيا ( عمان )
7- ديون ( الأشعري ) في حوران
8- كاناثا ( قنوات ) في السويداء
9- رافانا (أبيلا)
10- داماسكوس (دمشق)
الفترة الهلنستية
باستثناء دمشق فإن مدن التحالف العشر قد أنشئت خلال الحقبة الهلنستية ما بين موت الإسكندر 323 ق م و الغزو الروماني لسوريا الوسطى * و فلسطين عام 63 ق م . بعضها أنشئ في عهد البطالمة الذين حكموا المنطقة حتى عام 198 ق م , و مدن أخرى أنشئت في عهد السلوقيين عندما حكموا المنطقة خلال القرن الثاني و الأول قبل الميلاد . لقد كانت تلك المدن إغريقية من حيث المنشأ , إذا ما استثنينا دمشق , و قد طبعت نفسها بطابع إغريقي على غرار المدن الإغريقية .
لقد وجدت هذه المدن في منطقة تفاعلت فيها ثقافتين مختلفتين هما : الاستعمارية الإغريقية و المحلية السامية . و رغم نشوء بعض الخلافات و الصراعات نتيجة اختلاف الأفكار و المعتقدات** إلا أنه حصل بعض التمازج الثقافي في منطقة التحالف ؛ فقد عملت المدن مجتمعة على أن تكون مراكز لانتشار الثقافة الإغريقية . بعض المعبودات (الآلهة) المحلية بدأت تأخذ اسما يونانيا كزيوس مثلا كبير آلهة اليونان بينما بدأ اليونانيين في بعض المدن يعبدون زيوس المحلي الى جانب زيوس الأولمب اليوناني . و قد عبدوا الاله النبطي (ذو الشرى) تحت اسمه اليوناني دوساروس . إن عبادة هذه الآلهة السامية تشهد عليها النقود و الكتابات و النقوش من تلك المدن .
عندما غزا القائد الروماني بومبي مملكة يهودا عام 63 ق م . رحبت به تلك المدن كمحرر لها من الحكم اليهودي الذي كان يحكم جزءا كبيرا من المنطقة , و في الحقيقة فان المدن اتخذت لنفسها تقويما خاصا استمر لعدة مئات من السنين باسم التقويم البومبيي حيث اعتبروا سنتهم الأولى هي السنة 63 ق.م التي قدم فيها بومبي الى المنطقة . و ربما عرف مصطلح الديكابولس منذ ذلك التاريخ .
الديكابولس الروماني
لقد أرادت الحكومة الرومانية أن تزدهر ثقافتها في أقصى ما وصلت إليها إمبراطوريتها , وفي ذلك الحين كانت قد وصلت إلى فلسطين . لذلك فقد شجعوا على نمو تلك المدن العشر و سمحوا لهم ببعض الاستقلال السياسي على أن يبقوا منضوين تحت جناح روما . و لقد كانت كل مدينة نوعا من (دولة المدينة ) و لها سلطة ما على ما يحيطها من المناطق الريفية المجاورة . كل مدينة سكت نقودها الخاصة , و كثير من القطع النقدية عرّفت المدينة على أنها : المستقلة , الحرة , ذات السيادة , و أحيانا المقدسة , بما يلمح إلى نوع من الحكم الذاتي .
لقد ترك الرومان و بقوة طابعهم الثقافي على جميع المدن . كل واحدة منهم أعيد بناؤها على الطراز الروماني . كانت تتخلل المدينة شبكة من الطرق و يتوسطها الشارع المسمى (كاردو) الذي يلتقي بآخر يقطعه في المنتصف هو (الديكومانوس) . لقد بنا الرومان أو رعوا بناء العديد من المعابد والمباني العامة الأخرى . إن عبادة الأباطرة كانت عادة شائعة ضمن الديكابولس وكانت احدى مظاهر التواصل بين مختلف المدن . لقد كان النموذج الصغير للمعبد المقدم الى الإمبراطور و الذي سموه( الكليبة) فريدا من نوعه في المنطقة . و يرجح أن المدن قد نشأ بينها روابط تجارية قوية عززتها تلك الشبكة من الطرق الرومانية الجديدة .لم يكن حلف المدن العشر اتحادا سياسيا أو اقتصاديا و جل ما يمكن قوله أنها عبرت عن تجمع لمدن دولة تمتعت بحكم ذاتي خاص خلال الفترة المبكرة للحكم الروماني في المنطقة .
ذكر في أناجيل متى, مرقص , و لوقا من العهد الجديد” أن منطقة الديكابولس كانت موقعا لكهنوت يسوع” . كانت المنطقة هي إحدى المناطق القليلة التي ارتحل اليها يسوع و أتباعه , الذين كان معظمهم ليسوا من اليهود (2).
السنوات المتأخرة
لقد اختفى استخدام اصطلاح الديكابولس من الوجود بعد أن ضم تراجان المقاطعة العربية إلى الإمبراطورية الرومانية في القرن الثاني الميلادي . لقد كانت المقاطعة الجديدة إلى الشرق من فلسطين , لذلك فان الديكابولس لم تعد ذلك الخط الأمامي ذو الثقافة الإغريقية الرومانية . إضافة إلى ذلك فان المدن انقسمت و ضمت الى مقاطعات رومانية مختلفة شملت سوريا فلسطين و المقاطعة العربية . و مع ذلك فان الديكابولس ظلت منطقة ثقافية هامة في شرق الإمبراطورية بالرغم من التوقف عن استخدام المصطلح . لقد بقيت المدن مميزة عن المدن الأخرى , و مثال واضح هو استمرار استخدام التقويم البومبيي نفسه . إن المؤرخون و علماء الآثار غالبا ما يتكلمون عن مدن التحالف العشر و منطقة مدن التحالف حتى و لو للإشارة إلى تلك المدن في فترات لاحقة من الزمن .
خلال الحقبة الرومانية و البيزنطية تأئرت تلك المدن شيئا فشيئا بالمسيحية . بعض المدن كانت منفتحة أكثر من غيرها على الدين الجديد . كانت بيلا مثلا قاعدة لبعض القييمين على الكنائس الأولى في المنطقة . يذكر يوسيبيوس” أن حواري المسيح قد التجؤوا إلى هناك هربا من الحرب بين اليهود و الرومان ” . في مدن أخرى استمرت الوثنية حتى الحقبة البيزنطية . مع ذلك فان المدن أصبحت بمجملها مسيحية و معظمها كان يشغل كرسيا أسقفيا .
” مدينة قنوات ”
الكشف الأثري
نصف هذه المدن مسكونة الآن و نصفها الآخر أطلال بائدة كشفت عنها التنقيبات الأئرية خلال القرن العشرين . فجراسا (جرش ) و سيثوبولس ( بيسان ) هما مدينتان هامتان في فلسطين و الأردن , أما دمشق فقد بقيت عاصمة سوريا, و فيلادلفيا ( عمان ) أصبحت عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية التي أنشئت في القرن العشرين . وكاناثا ( قنوات ) هي قرية صغيرة تتبع محافظة السويداء في سوريا و يسكنها أكثر من 5 آلاف شخص بنوا بيوتهم بين الأوابد القديمة الباقية من عهد الديكابولس . وقد تم الكشف عن المدن الخمس الأخرى و التي لم يبق منها سوى آثار دلت عليها , منها ما كشف و منها مازال يكتشف إلى الآن . إن جادارا (أم قيس) و بيلا (طبقة فحل) تقعان في الأردن, بينما تقع هيبوس (قلعة الحصن ) في الجولان المحتل إلى الشرق من بحيرة طبرية , و قد اختلف حول مكان مدينتي ديون و أبيلا,رافانا ؛ فالمراجع الأردنية تذكر أن الأولى تقع قرب منطقة بيت راس شمال اربد(3) و الثانية الى الشمال الشرقي من جادارا (أم قيس) قرب قرية القويلبة ,بينما يذكر فيليب حتي و أخرون أن الأولى هي قرية الأشعري(4) و الثانية هي الرافة(5) و كلتيهما في حوران. وحسبما يظهر في معظم الخرائط القديمة فمن المؤكد أن ديون ليست في الأردن وعلى الأغلب هي الأشعري في حوران أما رافانا فربما كانت القويلبة الأردنية التي تقع قرب الحدود السورية و لا يمكن تحديدها من خلال الخرائط القديمة كون هذه الحدود لم تكن موجودة في الماضي .
المراجع
1- ويكيبيديا الموسوعة الحرة
2- الموسوعة الكاتوليكية
3-موقع أطلس تورز
4- دنتزر و آخرون , حوران 1
5- فيليب حتي , تاريخ سوريا
خريطة الديكابولس
المواضيع المرتبطة:




الصديق أبو خالد:
أسعدت أوقاتك
منذ عرفناك و أنت ترفد معلوماتنا بالكثير من المعلومات
فكانت تغنيها ، و تعمقها و تغربلها بعد تصحيحها
و على مدى تلك السنين كانت معلوماتك مرفقة بالتواريخ و الشواهد و الأسماء
و ما مقالتك هذه إلاً خير شاهد .
نقف بإجلال و احترام لشخصك النبيل و لمشروعك الثقافي الذي بانت ملامحه للجميع.
و مقالتك هذه لحقت سابقاتها إلى مجلد خاص حُفظ في قلوبنا قبل حاسوبنا لتبقى مرجعاً تاريخياً نستفيد منه.
و في انتظارك المزيد
تقبل صدق مشاعرنا