دعوة صادقة

الأستاذ : عماد غالب بلان

هذه ليست المرة الأولى التي أتردد فيها طويلاً قبل الخوض في غمار مسألة أعرف مُسبَقاً نتائج قراءتها من قبل كثيرين ممن قد لا تهمهم بقدر اهتمامهم بمسائل يرون فيها المتعة أو التشويق أو المفاجآت وهذه كلها عناصر أجزم سلفاً أنها لا تتوفر فيما سأكتبه لاحقاً ، و رُبَّ مُستَغرب يتساءل : فلماذا تكتب هذا إذن ؟؟ .. سؤالكَ له مبرراته أخي القارئ .. ولكني أجيبكَ بأنني أكتب استجابة إلى نداء مُلح ٍّ يصرخ في داخلي ليل نهار .. أكتب لنَيل راحة ضمير قلق ٍ ذاق اليسير من طعم حقيقة ما ، فأحبَّ أن يشاركه فيها آخرون يحبهم ويخلص لهم ، وأنتَ أخي القارئ الكريم منهم إن شاء الله .

تلك الحقيقة التي تعلَّقتُ وانشغلتُ بها منذ سنوات طويلة مضت وأنا في تأمل لعنوانها فقط ، وما استطعتُ حتى اليوم أن أتجاوز بمعرفتي حدود أحرفها الخمسة حتى الآن ” توحيد ” ! هي حقيقة التوحيد .. وأقصد علوم التوحيد .. لذلك أرجو أن تتقبلوا دعوتي هذه : السَمِجَة .. ثقيلة الظل .. الجافة والمُملَّة ، لكني أرجو أن أنوه إلى إنها ليست دعوة إلى التدين ، وليست دعوة إلى التمذهب أو التعصب البغيض ، وكذلك ليست دعوة إلى الانخراط في سلك ” الكهنوت ” الديني – متر قماش ولحية ببلاش – .. وليست دعوة إلى ” المجلس الغربي ” ولا ” المجلس الشرقي ” ولا إلى ” خلوات البيَّاضة ” .. لا هذا ولا ذاك ، ولاهذه ولا تلك .
أدعوكم إلى دراسة التوحيد كعلم .. كفكر وفلسفة وتاريخ ، من أصوله ومنابعه الأولى وعلى طول مساراته ومحطاته ، عبر الأدوار والأكوار وعلى مر القرون والسنين ، وحتى اليوم ضمن مفهومه العام الذي بدأ ” منذ أن تفتَّح العقل البشري برعُماً على أفنان الحكمة ” ، وبين علوم التوحيد العام والتوحيد الخاص كمذهب ومسلك مسافات من البحث المُضني والتقصي ، ومنه سننعطف حتماً إلى ملامسة السبب الحقيقي الذي دفع بفلاسفة الدعوة التوحيدية إلى اتخاذ شعار ” التوحيد ” إسماً وعنواناً للمذهب العريق الذي ما زال قائماً و راسخاً على مدى ألف عام من الزمان ، في وقت ذابت وانحلَّت خلاله مذاهب عدة ، وملل وطوائف لا حصر لها لكونها اتخذت النقل لا العقل في سبر مغاور الدين بمسبار العقل والفلسفة .
والباحث المُستَجيب لهذه الدعوة سيصل حتماً إلى محطة ” زماكانية – زمان ومكان – وهي إقليم ” القاهرة ” عام 1017 ميلادي 408 هجري ، خلال حكم الخليفة الفاطمي السادس ، وعندئذ ومن المؤكد أنه سيتوقف طويلاً ليسترد أنفاسه مخاطباً نفسه : الآن أشعر براحة وسلامة الوصول ..!! شعوره بالراحة والمتعة سينبعث من داخله هو فقط ، ولن يستجديه من خارج نفسه أبداً ، وكم هو شعور متجدد لا ينضب إن كان مصدره من الذات ليس إلا .
إنها قضية معرفة انتماء وتحقيق هوية أولاً ، انتماء ضارب بجذوره أعماق التاريخ العربي والإسلامي ، جذور راسخة لطالما حاول أهل الفتنة من الجهلاء المتعصبين قطعها .. وهوية مُشرفة تحددت فيها معالم انتمائنا وقَدَرنا ومصيرنا وتبلوَرَت من خلالها قضيتنا الحياتية ورسالتنا إلى البشرية .. هوية لطالما حاولت طغمة حاقدة من أهل الفتنة والجهلاء المتعصبين تمزيقها وتشويهها ، خدمة لمخططات أعداء أمتنا من صهاينة وأمريكان الذين وجدوا ضالتهم في سياسة ” فرِّق تَسُد ” لتمزيق أوصال الأمة وبث الفتنة بين أهلها وأبنائها بسيف الطائفية والمذهبية الفتاك .
أطلقوا علينا لقب ” الدروز ” زورا ً وبهتاناً ، ظلماً وعدواناً ، وألحقونا بالتبعية للمرتد الملعون ” نشتكين الدَرَزي ” ونحن منه ومن التبعية له براء ، نسبونا إلى قومية ” درزية ” مُستقلة ، و صنفوا ” الدرزية ” كدين مستقل لا صلات له بالقرآن الكريم كتاباً ، ولا بالإسلام ديناً ، بل واختزلوا مسافات القربى بيننا وبين يهوديتهم بتحريفهم التاريخ وتضليلهم ضعاف العقل والإيمان .
ما عليكم إلا أن تستخدموا تقنيات النشر الالكتروني وتبحثوا عن كلمة ” الدروز ” لتطالعوا حجم ودناءة الظلم والتعسف الذي يلحق بنا كطائفة شهد لأبنائها الغريب قبل القريب بتضحياتهم وصمودهم في وجه كل من سوَّلَت له نفسه النَيل من شعبنا وأرضنا . فباتت أمانة معرفة حقيقة ” التوحيد ” معلقة في أعناقنا جميعاً وخاصة الأجيال الصاعدة من أبنائنا وبناتنا ، وأي أمانة أغلى من تحقيق الهوية وتأكيدها ممهورة بخاتم العقل الواعي والمسؤول ؟؟

المواضيع المرتبطة:

  1. و ماذا بعد الموت ؟
  2. كيف نتعَـلـَّــمُ … أن نتَعَـلـَّـمَ …؟

10 من التعليقات لـ “دعوة صادقة”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع