شيءٌ ما يحترقْ ( كلاكيت 3 )
شيءٌ ما يحترقْ ( كلاكيت 3 )
فلاش ( 1 )
كان همه الوحيد أن يعود كل عصر إلى بيته ليرى أطفاله آمنين سالمين بعيدين عن أي أذى ً ، كان يحوطهم برعاية تفوق رعاية الأم ويغرقهم بحنانه كما تغرق السماء الأرض بوابل خير ، ويحتضنهم بدفء كما تحتضن الشمس برد كانون ، يخاف عليهم الخروج إلى الشارع وركوب الدراجة والسباحة ومعاشرة رفاق السوء ، ضَرَبَ حولهم طوقا ً أمنيا ً كأطفال خُدَّج في حاضنات زجاجية .
لم تلفحهم ريح الشارع ، لم يسمعوا شتيمة ً ، لم يدخلوا في عراك ، لم ينتظروا على شباك مخبز ، لم يزاحموا الآخرين على مسكة باص ، لم يركبوا على ظهر حافلة ، ولم يبيعوا العلكة أو البوظة أو الصحف .
كبروا … اضطروا للذهاب إلى جامعاتهم ، خرجوا من القمقم ، تعرفوا على عالم آخر ، عانوا في البداية لكنهم سرعان ما انخرطوا وبدرجة الغليان في هذا الجو الجديد ، تكسرت قيود الأمس فانعتقوا من منظومة الأب إلى منظومة رأوا أنها الأكثر ملاءمة ً لهم ، لمسوا ما مُنِعَ عنهم بأيديهم فشعروا بلذة كبيرة ، تبدلت معالمهم ، بدت عليهم ملامح مختلفة ، تمترسوا خلف هذا الجديد ، أداروا ظهورهم للماضي ، لكنهم لم ينتبهوا إلى أنهم أداورا ظهورهم لأب ٍ ظنَّ أن حرصه أبعدَ أبناءه عن الخطيئة .
فلاش ( 2 )
بالغوا في حبه ، أغرقوه بالهدايا والألبسة والمأكولات ، يوم كان الحيُّ بأكمله يمتلك كرة ً واحدة ً كان هو يمتلك العشرات وكل واحدة بلون .
لم يصدقوا أنه فاشل في دراسته وغبي لا يهضم عقله العلم ولا يتلقف المعرفة ، لا بل كانوا يدعون أن كل علاماته تامة ( يخزي العين ) ، أغدقوا على معلميه وسكنوا المدرسة ذاهبين غادين تحت شعار التواصل البنَّاء بين المدرسة و ولي الأمر ، فبات ينتقل من صف إلى آخر بسلاسة ٍ كريشة سابحة في الفضاء ، حتى بلغ حاجز الاعدادية الذي قفزه بمعونة معسكر من المدرسين وكتائب من الداعين له بالنجاح وكانت نتيجته مخجلة ً ، على خط الجهل تماما ً ( 122 م ) .
دخل الثانوية وتابع الأهل السيناريو ذاته حتى المحطة الأخيرة ، لم يجتز ِ الامتحانَ كما كان العقلاء يتوقعون لكن أهله تابعوا كذبهم ومكابرتهم وبدأوا يكيلون التهم للمصححين ناسخين من ذهنهم تماما ً فكرة غباء ابنهم وفشله .
حاول مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى يئس تماما ً ومازال أهله يعيشون ذات الكذبة ويخدعون أنفسهم ذات الخديعة ، ابنهم متفوق وذكي ولكن خالفه الحظ .
المواضيع المرتبطة:

