شيءٌ ما يحترق …

مقالات,همسات نزار غالب فليحان
بتاريخ الثلاثاء 29 سبتمبر 2009 6:53 م

شيء ٌ …. ما … يحترق …

 

يغادر وطنه مرغما ً تحت ظروف قسرية ضاغطة ويبتعد عن مجتمع قاسمه الهموم وشاركه الأحلام …

يسافر بجسده وبعض عقله تاركا ً وراءه بعض العقل وكل القلب معلنا ً رفضه  أن تجتثه الغربة من جذور انتمائه الأزلي .

يضبط أحاسيسه كل صباح على نبض الوطن ويملأ مخيلته قبل أن ينام بالصور التي التقطتها عيناه قبل أن يدير ظهره لذلك القدر الذي يسكنه أبدا ً.

لا ينفك يفكر بكل صغيرة وكبيرة تخص وطنه .

 

يعود المهاجر إلى الوطن في استراحة محارب .

محملا ً بكل ما يخيل لك من حب وحنان وشوق وحماس لذلك الوطن الذي يسكنه ويخيم جلاله على أحلامه كلما خطر على باله .

ويا كثرما يخطر وطن على بال .

 

ترافق أحاسيسه تلك حساسية مفرطة كلما خطى خطوة ً على أرض الوطن

في كل زاوية وعند كل منعطف قرب أية شجرة

خلف خطى رجل مسن ٍ أجبرته السنون على افتراش الأرض وسؤال أهل وطنه عن مساعدة تسد الرمق ً

أمام وجه طفل لم يغتسل منذ أقفلت المدرسة أبوابها يبيع العلكة أو يمسح زجاج سيارة

بمواجهة موظف ٍ بائس ٍ لا هم له سوى أن يعرقل ما استطاع سعيك وراء توقيع أو موافقة

على إشارة مرورية لا تعرف أخضرها من أصفرها ً

على رصيف تكسرت أرضيته يستقبلك بجرعة ماء وسخة كلما دسته طالبا ً الملاذ من سيارات لا تعرف سوى إطلاق أبواقها في لهاث محموم وراء زبون جديد

بين فاتنات متبرجات متعريات إلا من بعض ما تيسر وكأن إبراز الصدور والأكتاف والأرداف شيء من تراث راسخ نخشى أن يندثر

بين وجوه شاردة ما أن يدخل فيها حتى يرى في أحدها تنكة زيت زيتون وفي الآخر قطرميز مكدوس وفي الثالث برميل مازوت وفي الرابع حقيبة مدرسية وفي الخامس ورقة يا نصيب رابحة أو خبر زيادة رواتب وفي راس آخر مرسوم يلغي الجامعات الخاصة التي تستنزف جيوب الناس  ومرسوم آخر يسهل القبول في جامعات الرسمية للدولة ويوسع تواجد الطلاب وخاصة الفقراء منهم في جامعات مجانية ورسمية نعرفها وتعرفنا نثق بها وتثق بنا

 

هكذا تصبح عيناه مجهرا ً يتفحص كل شيء … كل شيء

يستغرقه التفكير مع كل زلة يسمعها

ينتابه الحماس حين يستشعر أي خلل أو يراه  

يغرق في حزن عميق حين يعلم أن حلما ً بات صعب المنال

تدلهم سماؤه حين يصله نبأ رحيل صديق أو قريب

يمشي في شوارع البلدة هائما كالمجانين

يخيل له أنه سيصلح كل خلل

ويعيد كل شيء إلى جادة الصواب

وأنه سيصالح كل المتخاصمين

ويرضي كل الحزانى

ويطعم كل الجائعين

ويساعد كل المحتاجين

 

أجل …

أليس هو اليحلم دائما ً بأجمل صورة للوطن ؟

أليس هو اليتوق إلى أن يرى أبناء بلاده ينعمون بحد ٍ أدنى من السعادة شأنهم شأن غيرهم من البشر ؟

 

يفتح صدره لكل ألم  

يخيل له أنه قادر على التصدي لكل كرب …

تهرب الأيام من بين أصابعه كما الماء …

ينتهي العد التنازلي لفسحته مع الصفر الأخير لأيام إجازته …

يحزم حقائبه …

يتجه إلى حدود بلاده تاركا خلفه من جديد بعض العقل وكل القلب …

يوقن وهو يرى ختم المغادرة يهوي على جواز سفره كغيمة داكنة  أنه عابر سبيل ليس إلا …

تعتريه نوبة إحباط …

يتشظى …

يلملم نفسه على عَجَل ٍ ….

يمنع دمعة ً من السقوط …

يمسح وجهه ….

ثم ينطلق خلف حلمه التعيس …

تاركا ً في الوطن

حبا ً ليس له حدود

حابسا ً في القلب

شيئا ً ما يحترق …

 

نزار غالب فليحان – الكويت – سبتمبر 2009

المواضيع المرتبطة:

  1. مقاطع شعرية للشاعر الدكتور ركان توفيق الصفدي
  2. ساقٌ واحدةٌ تكفي …

6 من التعليقات لـ “شيءٌ ما يحترق …”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع