عبد الله الذي خسر نفسه
الأستاذ : اسامة جربوع
لايعلم أحد متى بالضبط تسللت تلك الأفكار الجديدة الى رأس عبد الله وعبثت به !!
فالحياة بالنسبة له ، كانت تسير بسهولة وبساطة ، وذلك بالرغم من حاجاته المادية المستمرة والتي لم تنته ِ يوما ً ، بل على العكس من ذلك ، فقد كانت تلك الحاجات وعلى الدوام حاضرة ً حوله ترفرف فوق رأسه ، إلا أنها لم تستطع أبدا أن تخترق هذا الرأس وتديره وتحدد اتجاهاته نحو تلك الحاجات فقط .
أحَبَّ عبد الله كثيرا ، وفشل في حبه كثيرا ، إلا أن ذلك الفشل الذي رافق مغامرات عشقه ، لم تغلق قلبه ، ولم تحل دون استمراره في الاندفاع نحو كل من يشعر أنها تدخل قلبه وتستهويه .
عبد الله ، يعيش حياته هكذا ، بسهولة وبساطة متناهية!!
يحمل في رأسه الكثير من القناعات التي تتناسب وبساطة تلك الحياة التي يحياها ، لم يسعَ يوما إلى امتلاك بيت كبير، ولا إلى امتلاك سيارة ، ولا إلى تكديس وسائل الرفاهية في بيته ، كان يعيش أيامه يوما بيوم ، ويمارس قناعاته في الحياة دون الالتفات الى تلك القيود التي تتدلى اليه من هنا وهناك كحبال المشانق .
كان متحررا من كل تلك الأعباء التي تثقل على الحياة باقتحامها عليها ، وحثها على الإمتلاك .
كان عبد الله يشع على من حوله ببساطته التي يفرضها عليهم ، لأنه يحيا ببساطه وبصدق مع النفس ، هكذا يرى الى الحياة ، كان لايشعر أن طريقة الآخرين وقناعاتهم في الحياة تفرض عليه شيئا من أي نوع كان !!
فهو لايرى أنه مضطرٌ إلى مجاراتهم في أمورهم .
عبد الله كان يمارس حياته ببساطة متناهية ، فهو لايرى انه أسير لفكرة مسبقة زرعت في رأسه ، ولم يرتب لردود فعل مع سابق الإصرار ، كان متحررا من أعباء ال”يجب ” وما”لايجب” ، يتعامل وفقا للحظة التي يكون فيها ولظروفها ، ولكل حدث يواجهه ظروفه التي لاتتكرر، وبالتالي التصرف حيالها لايتكرر، تماما على مبدأ الحكمة التي تقول : بأننا لانستطيع أن نسبح في ذات النهر مرتين .
عبد الله كان يجيد الفرح ،لأن الفرح بالنسبة له يأتي ببساطة ويسر ، فهو لايحتاج الى تخطيط مسبق له ، ولا إلى طريق مرسوم ، الفرح يأتي من سبل مختلفة ، ومن الصعب أن تخطئها العواطف الإنسانية النقية التي لم تتلوث بعد بإفساد كل ماهو إنساني وتلقائي في الطبيعة البشرية .
عندما تدق طبول الفرح من حوله وفي رأسه ، كان عبد الله يعرف كيف يفرح ، كانت تتلبسه الطفولة القابعة في أعماق نفسه ، ويذهب معها في رحلة الفرح إلى حيث يقتضي الفرح أن يكون .
لم ينم يوما وهو يحاسب نفسه ويجلدها على انها لم تفعل كذا أو أنها أخطأت بفعل كذا، ولم يقم لهذه النفس محاكم تفتيش لمقاضاتها ومحاسبتها ، تلقائيته في الحياة وصدقه معها ورؤيتها ببساطتها ، لم تدع له مجالا لأن يسلك بازدواجية تشعره بعذاب الضمير ، كان صادقا مع الحياة ومع نفسه ، فكانتا صادقتين معه كذلك .
كان عبد الله كالطائر الحر، يحلق في سماء هذه الحياة ، لم توقفه الحواجز المقامة على الأرض عندها ، كما لم تمنعه من التحليق ، كان من موقعه في سمائه يرى الى الكل ، ويرى الكل بنظرة جامعه وشاملة ،التفاصيل العديدة التي تملأ الأرض وتحد من الحركة وتوقف الإنسان عند كل منها ، لم يكن عبد الله يتوقف عندها ، لأنه كان يحلق فوقها ويتجاوزها .
لم يكن عبد الله في عيون الآخرين مخلوقا عاديا ، فهو بالنسبة لهم ، كان اقرب مايكون إلى صورة ضميرهم أو وجدانهم ، فهم لايستطيعون فعل مايفعل ، مع رغبتهم بذلك ، ولايمكنهم القول كمايقول، بالرغم من قناعتهم الدفينة بذلك.
إعجابهم وإيمانهم به بقي حبيسا في نفوسهم لايستطيعون أن يجاهروا به ، يتمنون أن يجرؤوا مثله ولكنهم لايجرؤون، إلا أنهم وفي الوقت نفسه لايترددون في انتقاده وفي العيب على تصرفاته في العلن، ولكن طبعا بعيدا عنه !!
لوثة ما أصابت عبد الله فيما بعد ، فيروس دخل الى رأسه في ليلة ليلاء ، لم يعرف أحد من أين أتته تلك العدوى؟؟ ولكن.. لماذا نريد أن نعرف وهذا المرض منتشر كالوباء بين الكثيرين ممن هم حوله!!
بعد إصابته بذلك الفيروس :
أخذ عبد الله يتصرف كالآخرين، ويتكلم كالآخرين، بل و كما يرغب الآخرون !!
أصبح فرحه منضبطا على ايقاع فرح الآخرين ،دخل في نفق الفرح المزيف ، هنا فرحه لايقرره هو ، وانما وفقا لأجندة ترشده الى متى يجب أن يكون الفرح !!
عقله أصبح أسيرا “لعقول” أخرى تجبره على ضبط ايقاعه وفقا لإيقاعها !!
عفويته فقدت اندفاعتها السابقة ، وأحاسيسه لم تعد ترشده ، لقد أدخل مافي صدره من عفوية وأحاسيس إلى “مطبخ اليجب واللايجب ” ليقدمها له وللآخرين وجبات جاهزة، لها جميعها مذاق واحد، وطعم واحد .
عبد الله ، فقد ملامحه الخاصة ، ونكهته الخاصة ،ومميزاته الخاصة ، أصبح متشابها مع الآخرين كالعملة التي تخرج من القالب الواحد !!
لم يعد عبد الله طائرا حرا كما كان ، لقد فقد جناحيه وقدرته على التحليق وتخطي الحواجز، وأخذ ينتمي الى مجتمع الزواحف التي تعجزها كل الحواجز .
الجميع حول عبد الله كانوا مسرورين ، فقد اعتبروا أنفسهم أنهم استردوا الشاة الضالة وردوها الى قطيعهم ، إلا عبد الله فقد كان بعودته اليهم ضياع لنفسه !!
لقد كسب عبد الله العالم ، ولكنه خسر نفسه !!
لا توجد مواضيع مرتبطة.


أخي أسامة شكرا على الطرح الواقعي :
لطالما كان هناك أشخاص بيدهم بوصلة تعمل بشكل صحيح فالأمل يبقى قائماً وما تطرقت له أخي أسامة هو واقع تفرضه حياة المدينة والحياة المدنية بكافة أشكالها وعلاقاتها المصنوعة بنفس المقادير ونفس فترة الطهي ونفس فترة الصلاحية أينما وُجدتْ بأي زمان ومكان, وكونك وضعت يدك على الجرح فلعلك تضع الأخرى على مصادر العلاج .
فأنا أرى ان يكون أحد تلك المصادر هو الركن الخاص بكل منا وهو منزله ( أسرته ) فمن الممكن أن نعيش جميعا مع عائلاتنا أجمل لحظات الصدق وأكثرها متعة ً لطالما أستحالت علينا خارج هذا النطاق الأسري وتأكد تماما أن ما نعلمه لأولادنا سينتشر ولو بشكل طفيف مع تعاقب الأجيال ولابد أن يكون لنا أمل في الأجيال القادمة من خلال ما نزرعه من بذور طيبة نستخلصها من تجاربنا اليومية,ولا أحد منا يملك عصا موسى ولكن لدينا الأدوات والمتسع الكافي لنقل ما نراه جميلا للأجيال القادمة بصدق وأمانة ولن نرى النتائج بين ليلة وضحاها ولكن هناك بدون أدنى شك نتائج إيجابية, وليعذرني من يرى أني قد أثقلت بالحديث
أبو غيث أنور فليحان