غربة الأنبياء …

مجلة همس النوافذ - العدد 002,همسات أسامة جربوع
بتاريخ الأحد 28 فبراير 2010 2:23 ص

الأستاذ : أسامة جربوع

جاؤوا الى هذا العالم المليء بشتى أنواع المظاهر التي تتنافى مع الطبيعة الإنسانية  

كانوا كثرا ً  !! فقد كانت تلك  فترة شاع فيها أدعياء “النبوة”، وممارسو السحر والشعوذة، ومدعو العلم بالغيب !!

ومثلما كانت هناك حاجة في كل قبيلة إلى  الشاعر الذي يؤرخ لها أمجادها ومفاخرها ،كانت لها الحاجة إلى  عرَافها أو” نبيها” الذي يكشف لها الغيب ، ويحرص على استمرار رضا الآلهة عن القبيله وعن أفرادها .

إلا أنه ومع قدوم  الأنبياء ،أصحاب الرسالات السماوية ،لم يعد لهؤلاء المشعوذين من وجود حقيقي ، إلا لدى أصحاب العقول المحدودة وأصحاب المصالح في أن لايسود هذا الدين الجديد ، و بالتالي أن تسود  قبيلة أو مدينة هذا النبي الجديد،لذلك نرى أن بقايا هذه المعتقدات القديمة بقيت موجودة هنا وهناك ، وبقي موجودا ً من يدافع عنها .

 الأنبياء الذين لم يكن يعجبهم بعض ماكان يحيط بهم من أشياء في هذا العالم ، من ظلم  واقع على الضعفاء ، ومن جهل مخيم ، وعقل عاجز عن أن يفسر للإنسان معنى هذا الوجود وأسبابه ونهاياته ، فضلا عن عادات وتقاليد ومفاهيم سائدة تركت ثقلها على الإنسان وعلى ضميره الذي كان يأباها ، ولكنه لم يستطع ايجاد الطريق الى الخلاص منها وتغييرها.

جاء الأنبياء الى هذا العالم برؤية جديدة تقوم على الإيمان بالخالق الأحد ،وعلى توضيح المعنى من وجود الإنسان ،وتبيان مصير هذا الإنسان بعد الموت والفناء.

كما وضعوا وشرعوا منظومة للعلاقات الإجتماعية والأخلاقية التي تحدد علاقات الأفراد فيما بينهم .

 كان الرسل وسطاء بين السماء والبشر ،يأتيهم الوحي من السماء وينقل اليهم الأوامر والتعليمات ،ليقوموا بدورهم بتبليغها الى البشر ،وقد جمعت هذه التنزيلات على الأنبياء في الكتب السماوية.

الكتب السماوية لم تنزل من السماء دفعة واحدة ،ولامرتبة بالشكل الذي هي عليه اليوم ،بل جاءت تباعا ووفقا لمقتضيات وحاجات استدعت نزولها ، وبالتالي كانت واضحة لارتباطها بحدث معين أو لحسم جدل معين حول مسألة كادت أن تكون خلافية في حينها !!

 في أيام الأنبياء كانت مقتضيات الحياة كما هي قائمة، والتعليمات السماوية المنزلة، متطابقة ،لم تكن هناك اسئلة لايوجد عليها أجوبة ، ولم تكن الحياة قد تغيرت الى الحد الذي ننظر فيه الى تعليماتنا السماوية فلا نجد فيها ما يحدد مسارنا التالي ،كانت الحياة والرؤية في انسجام وتطابق .

بعد ذلك أخذت الحياة والرؤية اليها تأخذ مسارات متباعدة ومتناقضة ،وتصل حد الصراع في معظم الأحيان .

اختلف الأتباع الجدد عن الأتباع الأوائل ،فلم يعد الصراع على السماء ودخول جناتها هو المحرك ، ولم تعد قوة الإيمان هي معيار قيمة الإنسان،بل أصبحت الأرض وطيباتها هي الميدان الذي تتم الصراعات من أجلها !!

الإنسان ، ورث الدين بشكله البكر الذي نزل فيه ، إلا أنه وجد نفسه وقد ملأته الطموحات في السيطرة على بني البشر والحجر ، وجد أيضا  في التعليمات السماوية كما جاءت ،ببساطتها ومباشرتها،حجر عثرة في طريق طموحاته .

ولأن الإنسان لم يستطع أن يتجاهل الرسالات السماوية ،فقد أوجد السبل التي تتيح له أن يتجاوزها ويتحايل عليها،وهكذا فقد فسر الإنسان الأفكار السماوية كما يريد ،وذهب في الإستنتاج إلى حيث يريد،ولوى أعناق المعاني كما يرغب ، وفي النهاية خرجنا عن المعاني الإنسانية السامية التي كانت الهدف الأساسي للرسالات السماوية.

أصبحت  الرسالة الواحدة ،رسائل متعددة ، وإن كانت تدعي جميعها الجلوس تحت نفس اليافطة العريضة إلا أنها في حقيقة الأمر كانت متباعدة ومتناقضة ، لابل إنها شكلت غطاء حقيقيا لحروب وتصفيات دموية لاتقل عنفا وجاهلية عن الفترة الزمنية التي سبقت ظهورهذه الرسالات .

على مذبح الحياة الدنيا استبيحت العقائد السماوية ، وعلى هذا المذبح وإن كان قد تم الحفاظ على الإسم فقط ، إلا أنه قد تم الخروج فعليا من جوهر هذه العقيدة السماوية .

لذلك نجد وتحت كل عنوان رئيسي لرسالة سماوية ، مجموعة كبيرة من العناوين المشتقة منها والتي تدعي بالحق المطلق لها في رفع راية هذه الرسالة دون الآخرين . ويسلك هؤلاء السبل المختلفة ،والغريبة أحيانا، لإثبات إيمانهم الصحيح ، فتارة يلجؤون الى التفسير وبما لاعلاقة له بما جاء في التنزيل ،وتارة يدعون بأنهم يملكون فهما وتفسيرا غير ذلك الظاهر في المعاني ، وتارة يقولون الكلمات مالم تقله ، الى آخر هذا “الجهاد” الذي لاينصب على فهم ماقالت به السماء ، بل على تبرير وضع قائم يراد له أن يأخذ شرعية السماء ،ولكن بأدوات أرضية .

لو عاد الأنبياء اليوم  الينا ، هل سيستطيعون التعرف على الرسائل التي بشروا بها ونشروها في الأرض ؟؟

هل سيعرف كل نبي الرسالة التي جاء بها أصلا ؟؟

أم أنهم سيسمعون فقط أسماءهم تتردد في هذا الفريق أو ذاك ،وعلى أنهم أتباع لهم ، ودون أن يكونوا كذلك فعلا!!   

 أو أنها ستكون غربة حقيقية للأنبياء عن رسالتهم !!

المواضيع المرتبطة:

  1. ردّة جديدة اسمها ” النقاب ” …
  2. حزيران – سيِّءُ الصِّيتْ …
  3. طعمٌ واحدٌ للطائفية …
  4. عبد الله الذي خسر نفسه

19 من التعليقات لـ “غربة الأنبياء …”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع