قراءة في مسلسل سحابة صيف
الأستاذ : ثامر فضل الله دويعر
للوهلة الأولى تراهم أناساً يختلفون باختلاف ما غطوا به رؤوسهم ، شيئاً فشيئا يتكشف غبار الشوارع و ينقشع الضباب فترى الشخوص بقايا من زجاج مكسور و مطحون ، سحقته الغربة و النزوح ، رطوبة الجدران و الفقر و وسخ الأزقة .
سحابة صيف ، هي وجعي و وجعك ، ما مر على دنيانا و ما سوف يمر، أبطاله هم مساكن العشوائيات و الأزقة الضيقة و (طرطيرة) بيع ماء الشرب ، مرض السكر الطاحن و حلم العودة الذي تلاشى و الأهل في الهضبة .
سحابة صيف هي مأساة امرأة هجرها أولادها فاختارت الجنون عن أن تعيش وحيدة.
هي دموع أم ثكلى نشفت منذ زمن بعيد حين فقدت ابنها شهيداً للوطن و تحجرت عندما آثر ابنها الآخر الهجرة هروباً من فقرها.
سحابة صيف هي فلسفة بل فلسفات:
فلسفة ذيب الخليل(الفنان بسام كوسا) : أو أبو حبيب رجل فلسطيني من مدينة حيفا عاش و ترعرع بأحضان عائلة إقطاعية و لكنه لا يريد أن يعترف أن واقعه تغير، شخصيته مرًّكبة فيها الكثير من النزق و القوة إلى جانب البساطة و الكرم و الشهامة، لا يخرج من البيت إلاًّ بأبهى صورة و أجمل إطلالة و الماضي يسلب تفكيره، لا يقبل أية مساعدة و لا يعترف بالهزيمة حتى من مرض السكر الذي غالبه و غلبه و بتر له ساقه ، وكل ما حصل و سيحصل عنده عبارة عن سحابة صيف سيأتي يوم و تنقشع .
سمر سامي (أم حبيب) هي الأم العربية من المحيط إلى الخليج أم للأوجاع و الأفراح، للانكسار و النجاح، دور لعبته بأسلوب جديد و أداء متألق، كانت أماً للجميع تعطي الدفء و الحنان لكل معارفها لا تهزم ، جريئة طموحة عتيدة و لكن من يعطيها الدفء ؟
فلسفة قصي(الفنان أحمد الأحمد):شاب في مقتبل العمر يبقى من صبيحة اليوم حتى غروبها متكئاً على أحد جدران الحارة دون أن يفعل شيئاً رامياً هموم الدنيا و هموم عائلته و فقره و حرمانه عبر دخان سيجارة يتناولها و ينفثها آهات ٍ و أوجاعاً .
عماد الناجي( سلوم حداد) الذي دفعته الهزيمة بعد الأمل بالنصر إلى الاتجاه المغاير لشخصيته، حيث راح يعمل في تبييض العملة متقناً فنون التلاعب والتحايل في العمل لتلتقي هذه الشخصية مع الكثير من الشخصيات.
فلسفة نجية(الفنانة المسرحية سوسن أبو عفار):خٌيرت بين الجنون و العيش وحيدة بعد أن هجرها خلانها فاختارت الجنون ، لعبت الدور بإتقان منقطع النظير.
و ناهد و الطفل صافي وغيرهم ، و فلسفة تداعيات الحرب العراقية.
إنه يحكي قصتنا كمواطنين عرب و قصة الوضع السياسي المتأزم للعالم العربي، تمر أحداث عاصفة في فلسطين المحتلة أو العراق تؤرقنا وتقض مضاجعنا و ترتجف أجسادنا لرؤيتها ثم يستقر الاحتلال فينصرف المواطن العربي لشأنه ، ثم تدور رحى حرب ثانية أو عدوان في بقعة ثانية من وطننا فتدمي الأحداث وجداننا و حين تنتهي الأزمة ننصرف مجدداً لشأننا قائلين و قد أصبحنا معتادين على هذه العواصف في حياتنا السياسية والتي بتنا نتعامل معها كأمر واقع دوري الحدوث لا يلبث أن يزول كسحابة صيف .
مسلسل يرى فيه المواطن العربي نفسه ، و يرى عيوبه ، يسبها و يشتمها فترجع علينا سحابة صيف .
لا توجد مواضيع مرتبطة.


في ختام مقالتك لي رأي آخر أخ أبو كريم .
فكل ما تفضلت به ، ثم نقول عنه كمواطنين عرب ( سحابة صيف ) يعني مثل من رأى الدودة بالتفاحة فأغمض عينيه وأكلها . أو كأننا لا نتعلم الدرس ولا نعرف قراءة المعاني .هل تذكر ياسر العظمة في مسرحية غربة حين شرب حبر وحاول إقناع نفسه بأنه يشرب حليب ؟؟
هذا ما يقوله المسلسل .
ربما الآتي أعظم ، لهذا تُعتبَر تلك المعاناة في مسلسل سحابة صيف هي فعلاً سحابة صيف أمام ما سيحدث .
يا سيدي : المخرجون والمؤلفون في الدراما والفكر ، لو يدركون أن امثالك من كثر ، لكانوا في نعيم ، حيث أمثالك هم النصف الآخر لهم .
لك جزيل الشكر