مسلسل قلوب صغيرة – خطوة إلى الأمام
قلوب صغيرة – خطوة في الاتجاه الصحيح
عودتنا الدراما السورية كل رمضان على تقديم باقة من الأعمال التي ما أن تدخل بيوتنا حتى نحتضنها فتصبح منا ونغدو منها …
رمضان 2009 كان مختلفا ً بعض الشيء … سخَّن الكتاب سكاكينهم ، وأدخلوها في جروح تقيحت وفاحت رائحتها دون أن يقترب منها قلم أو ترصدها كاميرا .
نزلت الأقلام إلى السراديب وشقت طريقها إلى الملاهي وفتحت ( نمليات ) الفقراء فعثرت على ركام من فقر وإرث من شظف عيش وكتل من المنافقين والانتهازيين الذي انتشروا بيننا كالطحالب .
ولعل خلو هذا الموسم من أي عمل كوميدي هو تواطؤ مشروع مع حملة ( كشف المستور ) ووضع النقاط على الحروف ورفع الصوت وقول الحقيقة دون مواربة ، كل ذلك جعل مناخ الدراما السورية هذا الموسم كئيبا ً بحجم كآبة الواقع وحزينا ً بحجم حزنه ، وناصعا ً بينا ً واضحا ً في ذات الوقت لأن أعمال هذا الموسم بدت وثائقية تسجيلية نافس فيها طابع التقرير الإخباري مخيلة المخرجين وتفوق عليها في أحايين كثيرة ٍ .
مسلسل ( قلوب صغيرة ) كان الأكثر تميزا ً من حيث قربه من الواقع ومحاكاته الحقيقة لا بل كان الحقيقة ذاتها لأنه سجل تجربة حقيقية عاشتها الكاتبة وعانت عذاباتها نقلت لنا بكل أمانة مشاهد مؤلمة ومواقف تحرج الضمير وتضعه أمام مسؤولية تنصل منها عامدا ً على الأغلب وعن سابق إصرار ، هذا إذا لم نذهب بعيدا ً في اتهام الضمير بالتآمر على البراءة وقتل الطفولة وتجيير الواقع المرير لمصالح ضيقة ومادية عفنة .
ريما فليحان كشفت المستور ، أو لنقل المسكوت عنه ، وأعلنتها حربا ً على نخاسي القرن الحادي والعشرين تجار الأعضاء ومروجي تجارة اللحم الأبيض وآكلي قوت اليتامى وسرَّاق الزكاة والمعونات في بيت اليتيم ، تلك المنشأة التي أرادتها الدولة مرفقا ً إنسانيا ً يستوعب مخرجات عثرات الزمن من أطفال لا يعرفون نسبهم أو يتامى توفي آباؤهم أو أمهاتهم أو كلاهما أو ضحايا تشرد أسري ، وإذا بها تتحول مرتعا ً لمرتزقة لا يمنعهم فسادهم وخبثهم وانتهازيتهم وطمعهم وجشعهم ووحشيتهم من أكل مال اليتيم أو الاتجار به جنسيا ً أو جسديا ً أو تعنيفه بشتى وسائل التعذيب .
اعتدنا في رمضانات سابقة أن نبكي فراق حبيب لحبيبته ، أو موت أم أو أب ، لكننا في ( قلوب صغيرة ) بكينا ضياع الضمير وفقدان الرحمة وموت الأحاسيس ، بكينا غفلتنا التي ساعدت هؤلاء الأشباح على انتهاك حقوق الطفل وحرمته طفولته .
في ( قلوب صغيرة ) تعرية لواقع معاش وإشارة إلى تقصير ٍ ما ، أشبه بجريمة جماعية شارك فيها المجتمع برمته متحالفا ً مع ظروف عناوينها الفقر والعوز والجهل .
نجحت كاتبة القصة بداية ً في تحويل هذا الرصد الوثائقي إلى الشكل الروائي عبر بناء درامي محوره حكاية بطلة القصة ( الكاتبة نفسها ) وفروعه حكايا البسطاء والفقراء واليتامى المساكين في نسيج حذر حاول الموازنة بين خيال الكاتب ووضوح الواقع .
ولا شك في أن مخرج العمل ( عمار رضوان ) قد عانى كثيرا ً في تحقيق المواءمة بين قصة واقعية تخلو من كثير خيال وتزخر بأحداث واقعية وبين عمل درامي يتطلب رسم خطوط لأحداث تلتقي وتتقاطع ثم تعود لتلتقي بشكل منسجم ، ومكمن المعاناة هو القدرة على تحقيق الانسجام بين أحداث لا علاقة بينها وأبطال لا تتقاطع يومياتهم ، في وضع يفرض صعوبة ً في التنقل بين حدث وآخر وطغيان حدث على حدث آخر والاستغراق في رصد شخصية على حساب شخصية أخرى .
ويسجل للمخرج هنا نجاح ٌ وتميزٌ في القدرة على التعامل مع الطفل في عمل طغى عليه الطابع التراجيدي ، في حين اعتاد الأطفال على اللعب والضحك والشقاوة على خلاف أدوارهم في ( قلوب صغيرة ) الذي كانوا فيه نجوما ً كبيرة وبامتياز على الرغم من أن غالبيتهم وقفوا للمرة الأولى أمام الكاميرا .
حقق العمل شعار ( العمل الجماعي ) الذي جاء أقرب إلى التظاهرة شارك فيها نجوم الدراما السورية ( منى واصف – سلوم حداد – يارا صبري – شكران مرتجى – أمل عرفة – عبد الحكيم قطيفان – مرح جبر – ماهر صليبي – عدنان أبو الشامات – نزار أبو حجر ….. ) وكأنهم أرادوا جميعا ً أن يقولوا كلمتهم ويسجلوا موقفهم الرافض لهذه الممارسات بحق الطفل .
( قلوب صغير ) كانت التجربة الدرامية الأولى على مستوى مسلسل كامل للكاتبة ريما فليحان التي لربما ستبدو أكثر نضوجا ً وخبرة ً في التجارب القادمة ، هنا حيث نافس إحساسها وموقفها الشخصي لغتها الدرامية ، وفي المستقبل سوف تضبط أحاسيسها على إيقاع العمل الدرامي المطلوب فتدخل نطاق الخبرة والنضوج .
شكرا فريق عمل ( قلوب صغيرة ) ، لقد قدمتم لنا مشهدا ً اجتماعيا ً أشبه بصفعة وضعتنا أمام مسؤولياتنا وأشعرتنا بمدى تقصيرنا في متابعة المعذبين وقصور عملنا الجماعي وغياب ثقافة التعاون وانشغالنا بذواتنا واتساع حجم الأنا في دواخلنا .
نزار غالب فليحان – الكويت – أكتوبر 2009
المواضيع المرتبطة:


خالو منى الشاطرة …
فعلا المسلسل يستحق أكثر من جائزة لأنه فيه واقعا ً أكثر من الدراما .
أنا مسرور بما تكتبين وأتمنى أن تستمري على هذا النحو ولكن مع القراءة والاطلاع .
خالك نزار