من الكرتونية إلى الالكترونية

الأستاذ : سمير غالب فليحان

إنه هاجس الكتابة .. في السبعينات من القرن الماضي كنا نبحث عن مكان يستوعب ما نكتب .. كنا نكتب أفكارنا عل قصاصات صغيرة ونمررها على بعضنا ليعرض كلٌّ منا إنتاجه على الآخرين ثم عرفنا أن هناك اختراع يسمى مجلة الحائط في المدرسة ومازلت أذكر أن فقرات هذه المجلة كانت متشابهة في معظم المدارس .. حكمة العدد … هل تعلم .. طرائف ..الخ ، كلما بدأنا بعدد جديد توقفنا بعده لعدم توافر الإمكانيات إما الألوان أو الكرتون الذي نسطر عليه المجلة وكان هذا العمل يأخذ وقتاً من دروسنا أثناء الدوام في المدرسة لكن إصدار المجلة كان له وقع السحر علينا ..

ترانا نتمشى في المدرسة قليلاً ثم نعود لمجلتنا لنقرأها من جديد ونعيد الكرّة ألف مرّة وقلما تجد إلا القليل من التلاميذ الذين يتابعون ما أنتجناه إلا بعض المدرسين المهتمين والذين كانوا يثنون على جهودنا.. وحده الأستاذ خضر العيسى مدرس الفيزياء الرائع لم يكن يعجبه الأمر ..أذكر أنني دخلت إلى حصته متأخراً في إحدى المرات وقال لي :أين كنت لقد ذهب نصف الحصة ..قلت له: كنت في غرفة الشبيبة من أجل مجلة الحائط قال – بلهجته المميزة – خلي المجلات تنفعك يلعن أبو الفيزيا ثم تطور الأمر وكانت الفرصة التاريخية حين اطلع الأستاذ أكرم اليوسف الصحفي في مجلة الكفاح العربي آنذاك على قصيدة كتبتها مع بداية الإنتفاضة الأولى ومازلت أذكر عنوانها (( نطق في الضفة الحجر )) فأعجبته وأخذها ونشرها في المجلة وأحضر لي عدد معه من دمشق إلى حمص .
لكن ظروف الحياة كانت تواجهنا فالكتابة ترف لسنا قادرين عليه أتذكر أنني جمعت مجموعة معقولة من كتاباتي وشجعني الأستاذ أكرم بأنه يمكن طباعتها في كتيب صغير وكان المبلغ المطلوب لذلك معجزة بالنسبة لي في تلك الأيام .
ومع الأيام الأولى في غربتي تعرفت على مجلة الناقد التي كانت تصدر من لندن وصاحبها الأستاذ رياض نجيب الريّس وكان يكتب فيها أهم الأقلام العربية ..وفي لقاءٍ في أحد الأعداد مع الرائع المرحوم محمد الماغوط وفي معرض الأسئلة سئل عن الإبداع العربي أين وصل ومن خلال الإجابة قال: ” فمثلاً لم يعد هناك إبداع في مصر هناك سعاد حسني فقط” .وفي العدد الذي تلاه رد عليه الكاتب المصري الأستاذ إبراهيم عيسى ومن خلال الرد قال : “أيضاً ليس هناك إبداع في سورية هناك ميادة الحناوي فقط” . هذا الأمر أثارني وكتبت مقالاً وأرسلته إلى المجلة في لندن وبصراحة لم أكن أتوقع نشره لكن المفاجأة التي أثلجت صدري هو نشر المقال كاملاً في العدد التالي مباشرةً وتساجلنا فترة عل صفحات المجلة لكننا تصادقنا بعدها وهو الآن رئيس تحرير روز اليوسف في مصر وهو كاتب رائع وجريء ومحترم جداً .ثم تعرفت على شخص مثقف ومتفتح وغزير الكتابة هنا في غربتي هو الأستاذ عبد الله سليمان مدرس لغة عربية ومن خلال صداقتنا طرح عليّ فكرة إنشاء مجلة دورية في هذه المنطقة الصغيرة النائية التي نعيش فيها وهي منطقة الكُفرة ..أعجبتني الفكرة وبدأنا نكتب ونشجع من نعرفهم على الكتابة ..لكن كيف كنا نطبع المجلة ؟؟؟؟؟؟؟ هل مازلتم تذكرون ورقة الحرير ..نعم كنا نطبع المقالات على الآلة الكاتبة وعلى ورقة الحرير وميزة هذه الورقة أن أحرف الآلة الكاتبة تثقبها بسهولة أي تصبح الكلمات عبارة عن ثقوب في الورقة ثم تؤخذ الورقة إلى آلة كانت تسمى الطابعة في تلك الأيام وهي عبارة عن اسطوانة يتم تركيب الورقة عليها ويتم تدويرها يدوياً ليخرج الحبر الذي في الاسطوانة مخترقاً الأحرف المثقبة ويستقر على الأوراق البيضاء التي وضعت في الأسفل .. وهنا عليكم أن تتخيلوا طباعة أعداد من مجلة بهذه الطريقة . وبعد فترة تم تخصيص صحيفة رسمية نصف شهرية في المنطقة نجهز موادها ونرسلها لتطبع في إحدى المدن الكبرى وتعود بحلة جميلة وملونة وأصبح عبدالله رئيس تحريرها وأنا معه في هيئة التحرير وهذا الوضع مستمر حتى يومنا هذا .
أما إلكترونياً فبقدر ما فرحنا بهذا المستوعب الضخم المفتوح بقدر ما أحسسنا بالضياع – أتكلم عن نفسي على أقل تقدير _فقد تحول كل الناس إلى كتاب وأصبحنا نبحث عن القراء .
أما مجلتنا هذه ففي البداية أبارك لأخي نزار ولنا جميعاً وأنا أعلم أنه أخذ بعين الاعتبار كل الهواجس الإلكترونية والتي سيقود دفة مجلته من خلالها أبارك لك يا أخي من جديد وأتمنى لك التوفيق .

8 من التعليقات لـ “من الكرتونية إلى الالكترونية”

إكتب تعليقك

ما ينشر في الموقع من تعليقات، يعبر فقط عن رأي كاتبه و ليس بالضرورة عن رأي إدارة الموقع