REFLECTION ( الحلقة الثانية ) – التدوين بين الحقيقة والاستسهال
نزار غالب فليحان
إن اقتحام الشبكة العنكبوتية ( انترنت ) خلق مناخا ً جديدا ً أكثر تحررا ً عبر رئة مليئة بالأوكسجين أخذ مرتادوها يتنفسون من خلالها حرية التعبير وسرعة الاتصال لا بل ذهب الكثيرون منهم إلى تعاطي الكتابة والتدوين وخلقوا لأنفسهم منابر مستقلة ً أطلوا من خلالها على الآخر عبر قصيدة وقصة قصيرة ومقالة وخاطرة وحوار وأشكال الابداع الكثيرة والمتعددة .
ولكن هذا الاندفاع وراء الكتابة والتدوين لم يترك مجالا ً لوضع أسس للتدوين وقوانين تحكم هذا الطارئ الجديد مما أدى إلى وقوع الكثير من المدونين فريسة الاستسهال وعدم أخذ الأمر على محمل الجد ، سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون ، مما حتَّم علينا أن نعترف بأن ليس كل ما يدوَّن يصلح للنشر وليس كل من يدِّون يحسن الكتابة ، وبالتالي بات أمر استسهال الكتابة أحد المفرزات السلبية لسهولة النشر عبر الانترنت .
لكن الحقيقة الأكثر رسوخا ً وعمقا ً هي ضرورة عدم الالتفات عن تلك المدونات وعدم نكران دورها وأهميتها لأنها باتت واقعا ً لا بد من الاعتراف بوجوده لا بل سيطرته وتفوقه في كثير من الأحيان .
وبين التدوين كحقيقة لا يمكن إغفالها والاستسهال كاتهام يوجه إلى المدونين لا بد من الوقوف طويلا ً والتفكر مليا ً ومن ثم الاجابة على بعض التساؤلات :
هل التدوين أمر سهل إلى هذا الحد بحيث يستخف به المدونون ويستسهلون طـَرْقَ أبوابه ؟
هل من الضرورة توفر أساس أكاديمي سليم ومهني متين لدى المدونين يمنحهم الحق في الكتابة والنشر ؟
أليس من الأجدى وضع منظومة قوانين تحكم النشر والتدوين شأنها في ذلك شأن باقي وسائل الاعلام التقليدية ؟
ولكن ….. أليس الاستسهال مرضا ً متفشيا ً بين أدباء الورق أيضا ً ( شعر – قصة – رواية – صحافة ) بحيث بات نشر ” ديوان شعر ” وكذلك ” القصة ” ومثلها ” الرواية ” لا يكلف سوى زيارة دار نشر والاتفاق مع صاحبها على الثمن ؟
لا توجد مواضيع مرتبطة.


لقد أصبح للإنسان هنا فضاء رحب يسبح فيه وكما يحلو له وذلك بعد أن حكم عليه، وربما منذ فجر التاريخ، أن يكون حبيسا لبعض الأسماء المعروفة، أوالكتب التي يسمح بإلافراج عنها، أوالآراء التي يمكنها الوصول اليه.
ولعل هذاالإنسان الذي مل من طول القراءة والإستماع،وجد في هذه المنابر متنفسا له فسعى إلى التعبير كتابة عن نفسه من خلالها .
ولاشك أنه سترتكب هنا أخطاء كثيرة ،وسيدلي القادر وغير القادر بدلوه ،ولكن لابأس ،فدائما هناك فترة سماح تعطى لأية تجربة جديدة ،ثم وبعد أن تهدأ هذه “العاصفة” ستبدأ عملية الإصطفاء الطبيعي تفرض نفسها، وبدون اللجوء إلى إجراءات قسرية .
عملية الإصطفاء الطبيعي هذه ولكي تفرض نفسها ستحتاج إلى بعض الوقت، ولكنها ستنتج في محصلتها قراء ولكن بروح إيجابية ،طالما أنهم يشعرون بقدرتهم على الرد دائما، وأيضا كتابا ولكن بروح المسؤولية ،طالما أنهم يشعرون أن مايقدمونه محل نقد وتحليل .
وهنا أقترح أن نتحلى بالقليل من الصبر على هذه الفوضى ،فهي وكما أرى من نوع الفوضى الخلاقة التي لابد وأنها ستثمر !!